هندسة الانهيار الداخلي

بقلم عفاف الفرجاني
الشرق الأوسط اليوم لا يعيش أزمة عابرة ولا موجة توتر تقليدية، بل يواجه مشروعًا متكاملًا لإعادة تفكيكه من الداخل عبر أدوات ناعمة أخطر من الحروب المباشرة. ما يجري في إيران في هذه المرحلة لا يمكن قراءته بوصفه احتجاجات بريئة أو حراكًا شعبيًّا معزولًا، بل هو فصل جديد من استراتيجية أمريكية معروفة، تقوم على إشعال الداخل حين تفشل الضغوط والعقوبات وحين يصبح الخيار العسكري مكلفًا وخطيرًا.
الولايات المتحدة تدرك جيدًا أن الدخول في حرب مباشرة مع إيران لن يكون ضربة سريعة ولا مواجهة محدودة. أي صدام مفتوح سيتحول تلقائيًّا إلى حرب إقليمية شاملة، وقد ينزلق إلى مواجهة نووية تضع المنطقة والعالم أمام سيناريو كارثي. هذا المسار لا تريده واشنطن ولا يريده حتى دونالد ترامب الذي يعرف أن حربًا بهذا الحجم قد تنهي نفوذ أمريكا بدل أن تعززه. لذلك اختارت الإدارة الأمريكية الطريق الأخطر والأخبث، زعزعة الداخل وتحريك الشارع وتضخيم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتحويلها إلى أداة سياسية لضرب الدولة من داخلها.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان كان واضحًا حين حذر من أن التظاهرات الأخيرة ليست منفصلة عن تدخل خارجي، وأن هناك محاولات منظمة لاستغلال مطالب معيشية حقيقية وتحويلها إلى فوضى تهدد الأمن الوطني. هذا الخطاب لا يعكس إنكارًا للمشكلات بل قراءة سياسية لتجربة تاريخية عاشتها إيران كما عاشتها دول عربية أسقطت دولها باسم الحرية ثم تركت للخراب.
النموذج الأمريكي معروف بالعراق، سوريا، ليبيا، اليمن، واليوم محاولات متكررة في أكثر من ساحة. العناوين واحدة حقوق إنسان، حرية تعبير، دعم المجتمع المدني، لكن النتيجة دائمًا واحدة دول ضعيفة مجتمعات منقسمة وقرارات مرهونة بالخارج. أمريكا لا تبحث عن إصلاح، بل عن أنظمة قابلة للكسر والابتزاز.
في هذا السياق يبرز الموقف السعودي بوصفه تحولًا استراتيجيًّا لا يمكن تجاهله. السعودية اليوم تدرك أن انهيار إيران أو تفجيرها من الداخل لن يكون نصرًا لأحد، بل كارثة تطال الخليج وأمن الطاقة واستقرار المنطقة. من هنا جاء التقارب مع طهران كخيار عقلاني يحمي الجغرافيا ويغلق الأبواب أمام سيناريو الحرب الشاملة. هذا التقارب ليس أيديولوجيًّا، بل سياديًّا يقوم على قناعة مشتركة أن الخطر الحقيقي ليس بين دول المنطقة، بل في التدخل الأمريكي المستمر.
ولا يمكن قراءة المشهد الإيراني بمعزل عن الدور الإسرائيلي التحريضي الذي يعمل في الظل والعلن معا. إسرائيل ترى في إيران المستقرة خطرًا وجوديًّا، ولذلك تدفع منذ سنوات نحو نقل المعركة إلى داخلها بدل المواجهة المباشرة. تصريحات مسؤولين إسرائيليين تحدثت صراحة عن استنزاف الداخل الإيراني اجتماعيًّا وأمنيًّا عبر الإعلام والحرب السيبرانية ودعم شبكات زعزعة الاستقرار. تل أبيب تلعب دور رأس الحربة في مشروع الفوضى الإقليمية بما يخدم أمنها ويجنبها حربًا لا تضمن نتائجها.
في تقديري أن ما يجري اليوم هو محاولة لفرض الفوضى كبديل عن الحرب. إيران مستهدفة لأنها ترفض الخضوع، والمنطقة مستهدفة لأنها تملك قرارًا وثروات لا تريد واشنطن أن تكون مستقلة. دعم استقرار إيران ليس موقفًا عاطفيًّا، بل دفاع عن أمن الشرق الأوسط كله. الفوضى لا تصنع الحرية، بل تصنع الخراب، ومن يروج لها إما جاهل بالتاريخ أو شريك فيه.
