إشكالية السلطة والقوة في المجتمع الليبي بعد الفبرايري

بقلم : خالد الزغيبي
مع انهيار الدولة بسبب التدخلات الخارجية العنيفة، انكشفت حقيقة مرعبة، حيث لا توجد دولة بالمفهوم الحديث في ليبيا، بل توجد هياكل تقليدية متعددة كانت تعمل تحت سطح الدولة الرسمية، القبيلة، العائلة، المنطقة، الجماعة الدينية، كل هذه الكيانات خرجت إلى العلن لتطالب بنصيبها من السلطة.
لكن المفارقة أن هذه الكيانات، رغم قوتها على الأرض، تفتقر إلى الرؤية الوطنية والقدرة على إدارة دولة. فالقبيلة قد تكون فاعلًا ممتازًا في إدارة النزاعات المحلية وتوزيع الموارد على أفرادها، لكنها عاجزة عن وضع سياسات اقتصادية أو تعليمية أو صحية على مستوى الوطن. وهنا تكمن المأساة، قوى قادرة على الهدم لكنها غير قادرة على البناء.
لعبت الثروة النفطية دورًا محوريًا في تشويه علاقة السلطة بالقوة في ليبيا، فالدولة الريعية التي اعتمدت على توزيع عوائد النفط بدلًا من الإنتاج وفرض الضرائب، خلقت علاقة شاذة بين الحاكم والمحكوم. لم يعد المواطن يطالب بحقوقه السياسية والاجتماعية، بل ينتظر توزيع الريع، ولم تعد السلطة تحتاج إلى كسب الشرعية من خلال الأداء الجيد، بل من خلال القدرة على التوزيع.
هذا النموذج دمر أي إمكانية لتطور علاقة صحية بين الدولة والمجتمع، فعندما انهارت آلية التوزيع بعد 2011، انهارت العلاقة تمامًا، وتحول الصراع من صراع على السلطة إلى صراع على موارد الدولة، فأصبح النفط ليس مصدر ثروة فقط، بل أداة صراع وغاية في ذاته.
يمثل الشباب الليبي الحلقة الأضعف في معادلة السلطة والقوة، فهم الأكثر تضررًا من انهيار الدولة، والأقل قدرة على التأثير في مراكز القوة الفعلية. معظم الشباب يعيشون في حالة من الاغتراب المزدوج، اغتراب عن الدولة التي فشلت في توفير مستقبل مطمئن، واغتراب عن هياكل القوة التقليدية التي لا تمثلهم ولا تفهم طموحاتهم.
هذا الجيل الذي جرى تصوير التغيير له وكأنه طريق تحقيق الأحلام وإحياء الآمال، أصبح اليوم ضائعًا بين وعد لم يتحقق، وواقع متشظى، فكثيرون منهم انضموا إلى الميليشيات ليس لأيديولوجية سياسية، بل بحثًا عن مصدر رزق وموقع اجتماعي. وهكذا يتحول العنف من أداة سياسية إلى مهنة، ومن وسيلة تغيير إلى غاية في ذاتها.
في هذا المشهد المعقد من الصراع على السلطة والقوة، وجدت المرأة الليبية نفسها في موقع هامشي مضاعف، فبينما تتنازع القوى المختلفة على السلطة، تتراجع حقوق المرأة ومكانتها الاجتماعية. فالهياكل التقليدية التي برزت بعد 2011 تميل بطبيعتها إلى تقييد دور المرأة، بينما الدولة الضعيفة عاجزة عن حماية مكاسبها السابقة.
هذا لا يعني أن المرأة الليبية غائبة عن المشهد، بل العكس، ففي غياب الدولة تحملت النساء أعباء إضافية في إدارة الأسرة والمجتمع المحلي. لكن هذا الدور الاجتماعي الكبير لم يترجم إلى قوة سياسية فعلية، فالمرأة تتحمل المسؤولية دون أن تملك السلطة، تتحمل الأعباء دون أن تتمتع بالحقوق، بل أن المؤشرات في حق المرأة لم تعد لا توحي بأي أمل، بل أن الجرائم في حق المرأة تكاد تكون مرعبة.
استغلت بعض القوى في ليبيا الانتماءات الطائفية والإقليمية كأدوات للتمدد والنفوذ فتحولت الفروق المذهبية والجهوية من سمات ثقافية إلى هويات سياسية متصارعة. هذا الاستغلال الخطير يهدد بتحويل ليبيا إلى كانتونات منعزلة، كل منها يدور في فلكه الخاص.
الخطير في هذا التحول أنه يعيد إنتاج الصراع باستمرار، فالصراع على السلطة لم يعد صراعًا على البرامج أو الرؤى، بل صراع مصالح وهويات. وعندما يتحول الصراع السياسي إلى صراع مصالح وهويات، يصبح الحل أصعب والتسوية مستحيلة، فالهوية لا تقبل المساومة بينما تقبل المصالح ذلك.
أضافت التدخلات الخارجية عنصرًا جديدًا لمعادلة السلطة والقوة، فدول إقليمية وعالمية تدعم أطرافًا مختلفة، مستغلة الانقسامات الداخلية لتحقيق مصالحها. هذا التدخل يحول الصراع الليبي من قضية وطنية إلى جزء من صراعات إقليمية ودولية أوسع. فالتدخل الخارجي لا يزيد الصراع تعقيدًا فقط، بل يطيل أمده، فالأطراف المحلية لم تعد تخشى العزلة الدولية طالما تجد دعمًا من قوى خارجية، وهذا يحول الصراع من معركة يمكن حسمها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة تعريف جذري لعلاقة السلطة بالقوة في ليبيا، فلا يكفي إعادة بناء الدولة بمؤسساتها الرسمية، بل يجب إعادة بناء العلاقة بين هذه المؤسسات والقوى الفاعلة على الأرض، فهذا يعني الانتقال من نموذج الصراع إلى نموذج التعاقد، من ثقافة الهيمنة إلى ثقافة المشاركة.
الحل يبدأ بالاعتراف بحقيقة التعدد في ليبيا، ليس كمرض يجب علاجه، بل كواقع يجب إدارته. فالسلطة الشرعية يجب أن تكون قادرة على استيعاب هذا التعدد، وتحويله من مصدر صراع إلى مصدر ثراء. وهذا يتطلب نظامًا سياسيًا مرنًا، يعترف بالخصوصيات المحلية دون أن يضحي بالوحدة الوطنية.
إن مستقبل ليبيا يرتبط بقدرة النخب السياسية والاجتماعية على تجاوز النظرة التقليدية للسلطة كغنيمة تقتسم، والنظر إليها كخدمة تقدم. عندما تصبح السلطة وسيلة لخدمة المواطن وليس وسيلة للهيمنة عليه، عندها فقط يمكن تجاوز الأزمة الحالية.
هذا التحول ليس سهلًا، بل يتطلب تغييرًا جذريًّا في الثقافة السياسية والاجتماعية. ثقافة تقدم التعاون على الصراع، والمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والشرعية على القوة العارية.
هذا الطريق طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد لعبور ليبيا من حاضرها المضطرب إلى مستقبل مستقر.
