مقالات الرأي

الاستثمار الفكري


محمد بوخروبة


في بلد يمتلك من الموارد الطبيعية ما يكفيه ليكون في مصاف الدول المستقرة، تبدو الأزمة الليبية في جوهرها أقل ارتباطًا بندرة المال وأكثر التصاقًا بندرة الرؤية، فليبيا لا تعاني فقرًا اقتصاديًّا بقدر ما تعاني عجزًا في الاستثمار الفكري، ذلك العجز الذي جعل السياسة مرتجلة والخطاب منفعلًا والدولة فكرة مؤجلة باستمرار.
الاستثمار الفكري ليس شعارًا ثقافيًّا ولا ترفًا نخبويًّا، بل هو القدرة على تحويل المعرفة إلى سياسة والرؤية إلى مؤسسات والخلاف إلى إدارة عقلانية، هو أن تمتلك الدولة أو القوى السياسية أو النخب المؤثرة عقلًا جمعيًّا قادرًا على الفهم قبل الحكم، وعلى التحليل قبل الاصطفاف، وغياب هذا الاستثمار هو ما جعل ليبيا تدور في حلقة مفرغة، أزمات تتكرر ووجوه تتغير والنتائج ثابتة.
منذ سقوط الدولة المركزية تحولت السياسة في ليبيا إلى ساحة ردود فعل لا أفعال مدروسة، لم تبن رؤى انتقالية حقيقية ولم تتشكل مدارس فكرية سياسية واضحة، بل سادت لغة الشعارات وتقدم الانتماء على الفكرة والولاء على الكفاءة، وفي هذا المناخ لا يمكن الحديث عن بناء دولة، لأن الدولة قبل أن تكون مؤسسات هي تصور ذهني مشترك.
غياب الاستثمار الفكري يظهر بوضوح في طريقة إدارة الخلاف، فالخلاف في المجتمعات الحية يدار عبر الأفكار والبرامج، أما في الحالة الليبية فقد أدير عبر التخوين أو اللغة الانفعالية، وحين تختزل السياسة في صراع إرادات مجردة من التفكير، يصبح العنف امتدادًا طبيعيًّا للعجز الذهني.
المفارقة أن ليبيا لم تفتقر يومًا إلى الكفاءات، بل افتقرت إلى منظومة تستثمر هذه الكفاءات، فالعقل الليبي في الداخل والخارج، أنتج خبرات علمية ومهنية معتبرة، لكنها بقيت معزولة عن القرار العام، السبب ليس نقص العقول، بل غياب الإطار الذي يحول المعرفة إلى سياسة عامة، وهنا تتجلى خطورة غياب الاستثمار الفكري، حين يتحول العقل إلى هامش ويتصدر المشهد من لا يملك إلا الصوت العالي.
في المجال السياسي، غاب التفكير الاستراتيجي طويل المدى، لم تطرح أسئلة الدولة بجدية، أي نظام حكم؟ أي عقد اجتماعي؟ كيف تدار التعددية الجهوية والقبلية دون إنكار أو استغلال؟ بدل ذلك جرى القفز فوق الأسئلة إلى صراع على المواقع، وهنا يظهر الفرق بين من يستثمر في الفكر ومن يستثمر في اللحظة.
أما في الخطاب العام فقد هيمنت معارك رمزية ولغوية، واشتد الجدل حول الشكل على حساب الجوهر، نناقش الألفاظ أكثر مما نناقش السياسات، ونضخم الخلافات الخطابية بينما تتآكل مؤسسات الدولة، هذا الانشغال ليس وعيًا، بل هروب من مواجهة القضايا البنيوية، الاقتصاد الريعي غياب العدالة الانتقالية هشاشة المؤسسات وتفكك القرار السيادي.
الإعلام الليبي في جزء كبير منه عكس هذا الخلل بدل أن يعالجه، فبدل أن يكون منصة لتحليل الواقع وتنوير الرأي العام، انزلق في كثير من الأحيان إلى الاستقطاب والتعبئة، مكرسًا الانقسام بدل تفكيكه، الإعلام الذي لا يستند إلى فكر يتحول إلى صدى للضجيج لا أداة لبناء الوعي.
والأحزاب أو الكيانات السياسية لم تكن أفضل حالًا، كثير منها نشأ بلا برامج حقيقية، وبلا مراكز دراسات وبلا تراكم فكري، تحولت إلى هياكل تنظيمية بلا عقل نظري، وإلى أدوات تفاوض لا مشاريع دولة، والحزب الذي لا يستثمر في الفكر، يحكم على نفسه بأن يكون تابعًا للحدث لا صانعًا له.
الاستثمار الفكري في الحالة الليبية يعني، أولًا إعادة الاعتبار للعقل التحليلي في السياسة، يعني بناء مراكز تفكير وطنية مستقلة، وإشراك الخبراء في صياغة السياسات، وربط القرار بالمعرفة لا بالمزاج، يعني أيضًا الخروج من أسر اللحظة وبناء تصور وطني يتعامل مع تعقيدات المجتمع الليبي بدل إنكارها.
كما يعني الاستثمار في التعليم بوصفه مشروع دولة لا قطاعًا مهملًا، فالتعليم الذي لا ينمي التفكير النقدي ولا يدرب على إدارة الاختلاف، يفرز أجيالًا سهلة الاستقطاب ضعيفة المناعة أمام الشعبوية، ولا يمكن بناء دولة حديثة بعقل تقليدي أو منغلق.
الاستثمار الفكري لا يلغي الخلاف، لكنه ينظمه، لا يفرض توافقًا زائفًا، بل يخلق لغة مشتركة لإدارة التعدد، وهو ما تحتاجه ليبيا اليوم أكثر من أي وقت مضى، لغة عقلانية تتجاوز منطق الغلبة إلى منطق الدولة.
قد يبدو هذا الحديث مثاليًّا في ظل واقع مأزوم، لكن التجربة التاريخية تثبت أن الدول لا تخرج من أزماتها بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء وعيها بذاتها، ليبيا بحاجة إلى مشروع فكري وطني لا يختزلها في صراع سلطات، بل يعيد تعريفها كدولة ممكنة.
يمكن القول بوضوح ليبيا لا تحتاج فقط إلى تسويات سياسية، بل إلى استثمار عميق في الفكر، لأن ما لم يحل في العقل لن يحل على الأرض، والدولة التي تؤجل عقلها تدفع ثمن ذلك من استقرارها وسيادتها ومستقبلها.

زر الذهاب إلى الأعلى