ليبيا على حافة الزمن

محمد بوخروبة
لم يعدْ ما يمر به العالم مجرد تحولات طبيعية في الاقتصاد أو السياسة، بل هو انقلاب شامل في موازين القوة، وأنماط الإنتاج ومصادر الثروة، عالم ما بعد النفط يتشكل بسرعة، والتكنولوجيا تعيد تعريف مفهوم الدولة القوية، والطاقة النظيفة تزحف لتزيح الوقود الأحفوري من عرش دام عقودًا، وفي خضم هذا التحول العنيف تقف ليبيا عارية من التخطيط، مثقلة بالأزمات وكأنها خارج الزمن، بينما الزمن لا ينتظر أحدًا.
التقديرات الدولية تشير بوضوح إلى أن الطلب على النفط مرشح للانخفاض بما لا يقل عن 40% خلال العقود القادمة، لا بفعل نضوبه، بل بفعل البدائل، هذه الحقيقة وحدها كفيلة بإثارة القلق في أي دولة نفطية، فكيف بدولة لم تنجح طوال نصف قرن في تحويل النفط من مورد ريعي إلى رافعة تنموية؟ ليبيا اليوم ليست فقط دولة تعتمد على النفط، بل دولة أسيرة له، تعيش على توزيعه لا استثماره، وتستهلك عوائده دون أن تبني اقتصادًا قادرًا على الحياة بدونه.
الاقتصاد الليبي اقتصاد ريعي هش، يقوم على قاعدة واحدة النفط مقابل كل شيء، أكثر من مليوني ليبي يعتمدون على المرتبات الحكومية، فيما يلتهم بند الأجور قرابة 80% من الدخل العام، هذا النزيف المستمر حوَّل الدولة إلى ماكينة دفع رواتب، لا إلى كيان منتج أو مخطط لا زراعة استراتيجية، ولا صناعة وطنية، ولا قطاع خاص قادر على النمو، بل اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد، ويمول ذلك من مورد واحد متقلب.
ومع هذا الخلل البنيوي العميق، يبرز خطر إضافي لا يقل فتكًا، التضخم وتآكل قيمة الدينار الليبي، ارتفاع الأسعار بات واقعًا يوميًا يعيشه المواطن في غذائه ودوائه وسكنه، فيما تقف الدخول عاجزة عن اللحاق بتكلفة المعيشة، ضعف قيمة الدينار ليس مجرد رقم في سوق الصرف، بل مؤشر خطير على فقدان الثقة في الاقتصاد، وعلى غياب سياسات نقدية ومالية متماسكة، كلما ضعف الدينار ارتفعت فاتورة الاستيراد وتآكلت القدرة الشرائية، واتسعت رقعة الفقر المقنع حتى بات المواطن يدفع ثمن الفساد والانقسام من قوته اليومي.
التضخم في ليبيا ليس ناتجًا عن نمو اقتصادي أو زيادة إنتاج، بل عن اختلالات هيكلية إنفاق عام غير منضبط، اقتصاد ظل واسع، تهريب، فساد، وانقسام مصرفي ومالي أربك السياسة النقدية، في ظل هذا الواقع يصبح أي حديث عن الاستقرار دون إصلاح مالي حقيقي مجرد وهم مؤقت.
سياسيًّا تعيش ليبيا حالة تيه عميق، صراع على السلطة بلا أفق ومشهد سياسي بائس، وانقسام مؤسسي عطل الدولة وشل قدرتها على التخطيط والتنفيذ، هذا الانقسام لم يقتصر أثره على السياسة بل ضرب صميم الاقتصاد، وفتح الأبواب لغسيل الأموال ونهب المال العام، وتهريب العملة في واحدة من أكبر عمليات الاستنزاف المنظم لثروة وطنية في تاريخ البلاد.
غياب الدولة هنا لا يعني فقط غياب الأمن أو القانون، بل يعني غياب الرؤية، في هذا الفراغ تحولت الموارد إلى غنائم والمناصب إلى أدوات للإثراء والمال العام إلى وسيلة لتثبيت النفوذ، وكلما طال الانقسام ترسخت شبكات الفساد وازدادت مقاومة أي إصلاح حقيقي، لأن الإصلاح ببساطة يهدد مصالح قائمة على الفوضى.
الأخطر من كل ذلك هو شيوع عقلية النجاة الفردية، مسؤول لا يرى إلا ولايته وسياسي لا يعنيه إلا موقعه ومواطن أنهكته الأزمات حتى فقد الإيمان بالمستقبل، غاب التفكير الاستراتيجي وغاب السؤال المصيري ماذا بعد النفط؟ كيف نواجه تضخم الأسعار؟ كيف نحمي الدينار؟ وكيف نبني اقتصادًا يعيش لا على الصدفة، بل على الإنتاج؟
ورغم هذا المشهد القاتم فإن ليبيا لا تزال تملك فرصة أخيرة، النفط رغم تراجع دوره العالمي لا يزال موردًا مهمًّا، يمكن -إن أحسن استثماره- أن يكون جسرًا للعبور إلى اقتصاد متنوع، المطلوب ليس زيادة الإنفاق بل تغيير وجهته، الاستثمار في الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة والبنية التحتية المنتجة.
الزراعة تمثل خيارًا استراتيجيًا للأمن الغذائي وتقليل الاستيراد، خاصة في ظل تضخم الأسعار العالمية، مشاريع زراعية واعدة مدعومة بالتقنية والري الحديث، قادرة على خلق وظائف واستقرار اجتماعي، والصناعة خصوصًا التحويلية والغذائية ومواد البناء ليست ترفًا، بل ضرورة لتقليل الضغط على العملة الصعبة وحماية الدينار.
أما الطاقة الشمسية، فهي الفرصة الذهبية.. ليبيا من أغنى دول العالم في الإشعاع الشمسي، وقادرة على بناء قطاع طاقة نظيفة يقلل الاعتماد على الوقود، ويوفر الكهرباء ويخلق اقتصادًا جديدًا في عالم يتجه بقوة نحو الاستدامة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال بعض النقاط المضيئة، ما يقوم به صندوق الإعمار من مشاريع حثيثة في البنية التحتية يمثل نموذجًا عمليًّا لإعادة تدوير المال العام في خدمة التنمية، الطرق والجسور والمرافق ليست فقط عمرانًا، بل محركات اقتصادية تعيد الثقة وتخلق فرص عمل وتخفف الضغط عن المدن.
كذلك فإن التحسن الأمني الذي تحقق في مناطق واسعة بفضل الجهود التي تبذلها القوات المسلحة العربية الليبية، كان له أثر مباشر على حياة المواطنين، الأمن هو الشرط الأول للاستثمار وللاستقرار المالي ولعودة النشاط الاقتصادي، فلا يمكن حماية الدينار ولا كبح التضخم ولا جذب رأس المال في ظل الفوضى.
السياحة والمناطق الحرة تمثل بدورها رافعة مهمة للتنويع الاقتصادي، ليبيا تملك تاريخًا وطبيعة فريدة، ولو توفرت الدولة والمؤسسات لأصبحت السياحة موردًا دائمًا للعملة الصعبة، يخفف الضغط على الدينار ويخلق آلاف الوظائف.
ولكل ما ذكر تقف ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حاسم، استمرار السياسات الحالية مع تضخم متصاعد ودينار ضعيف واقتصاد ريعي، يعني السير بثبات نحو انهيار مالي واجتماعي، أما الاستيقاظ الآن وبناء دولة منتجة ومؤسسات فاعلة واقتصاد متنوع، فهو الطريق الوحيد للنجاة.
الوقت لم يعد في صالحنا فإما أن نواجه الحقيقة بشجاعة، وننقذ ما تبقى أو نستمر في الهروب حتى نصحو يومًا على دولة مفلسة، واقتصاد منهار وتاريخ يكتب عنا أننا أضعنا الفرصة الأخيرة.
