حين يُكتب التاريخ بأقلام الانطباع

بقلم/ محمود امجبر
في زمنٍ تداخلت فيه الأدوار وتبدلت فيه المعايير، تحوَّلت المنصات الإعلامية إلى مسارح مفتوحة لكل من امتلك لسانًا طويلًا، لا عقلًا راجحًا، ولكل من ظن أن الصراخ يغني عن الحجة، وأن التهجم يغني عن البرهان. نعيش اليوم واقعًا يُمنح فيه الميكروفون أو القلم لمن لا يملك من أدوات الفكر إلا الانطباع، ومن أدوات التحليل إلا ما تمليه عليه مصالحه الآنية، أو ما يقتضيه ولاؤه القديم، أو ما تمليه عليه عقده المتراكمة.
حين يختار أحدهم أن يُسمي صفحته على منصات التواصل باسمٍ يعكس توجهًا أو يُفصح عن هوية، سواء كانت حقيقية أم متخيلة، فإنه بذلك يخلع عن نفسه رداء الحياد، ويدخل ساحة النقاش بسيف مسلول لا بقلم مسؤول. وعندما تُستخدم مصطلحات مثل “الطاغية” و”القمعي” و”الجلاد” دون سند علمي أو توثيق واقعي، فإننا لا نكون أمام نقد موضوعي، بل أمام تحريض فجّ وتغذية ممنهجة للحقد والانقسام.
ما نشهده من هجمات إعلامية متكررة على شخصيات وطنية وقامات فكرية لا ينبع من حرص على الحقيقة، بل من رغبة دفينة في تصفية الحسابات، وتلميع الذات، وتبرئة الماضي من أدرانه عبر شيطنة الآخر. صفحات ومنابر امتلأت بالحقد، وتغذت على الحسد، وتربصت بزلات الآخرين، لا لشيء إلا لأنهم لم يصفقوا حين طُلب منهم التصفيق، أو لأنهم اختاروا أن يختلفوا.
والمفارقة المؤلمة أن بعض من يتصدرون اليوم مشهد النقد، كانوا بالأمس جزءًا من ذات المنظومة التي يلعنونها، مارسوا أدوارًا نافذة، واعتلوا المنابر، وكتبوا التقارير، ثم لما تغيرت الرياح، غيروا جلودهم، وخرجوا علينا بثوب الناقد لا ليُصلحوا، بل ليُبرروا انسلاخهم، ويقنعونا بأنهم وُلدوا من جديد.
أما استضافة بعض الأسماء في قنوات كبرى، فهي انعكاس لخلل عميق في معايير الاختيار الإعلامي. حين يُستضاف من لا يملك من المؤهلات إلا بطاقة هوية مُنحت له في عهد مضى، ومن لا يعرف عن ليبيا إلا ما سمعه في نشرات الأخبار، فاعلم أن المنصة لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل عن الإثارة. حين يُقدَّم من ارتبط اسمه بمنظومات قمعية أو فساد سياسي كمحلل أو مؤرخ، فاعلم أن التاريخ يُكتب من جديد، ولكن بأقلام ملوثة.
نحن لا نهاجم الأشخاص، بل نرفض الظاهرة. لا نخاصم الأسماء، بل نخاصم التزييف. لا نصادر الرأي، بل نطالب بالمسؤولية. فليقل من شاء ما شاء، ولكن فليقل ذلك بعلم وأمانة واحترام لعقول الناس، لا باستغبائهم. فليكتب من شاء، ولكن ليكتب بضمير، لا بأجندة. فليظهر من شاء على الشاشات، ولكن ليكن مؤهلًا، لا مُلمعًا.
نحن لا نجيد الصراخ، ولا نتقن الشتائم، ولا نمارس التهجم. نحن نجيد التبيان، ونتقن الحجة، ونمارس النقد بضمير. نُدرك أن الخلاف لا يُفسد للود قضية، وأن احترام الآخر لا يعني تبني أفكاره، بل احترام إنسانيته. نُدرك أن من يسبُّك اليوم لأنه اختلف معك، سيبيعك غدًا حين تختلف مصالحه.
فلنترك مسافة تحفظ الود، ولنتمسك بأخلاقنا، ولنُدافع عن الحقيقة لا عن الأشخاص. فالتاريخ لا يُكتب بالصوت العالي، بل بالحبر النزيه. والذاكرة الوطنية لا تُصاغ في استوديوهات التلفاز، بل في ضمير الأمة
