مقالات الرأي

بين الجغرافيا والسيادة حين يصبح الاعتراف أداة اختراق ناعم


بقلم/ حامد الحضيري


في السياسة لا تأتي الخطوات الكبرى دائمًا على هيئة جيوش وزحف عسكري، بل كثيرًا ما تتخفى في قرارات تبدو قانونية أو دبلوماسية، لكنها تحمل في جوهرها تحولات عميقة في موازين القوة ومعنى السيادة وخرائط النفوذ.
إن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ليس حدثًا معزولًا ولا تفصيلًا هامشيًّا، بل علامة على مرحلة جديدة من إدارة الصراع في الإقليم عبر الجغرافيا قبل السلاح، ومن خلال الأطراف الهشة قبل الدول المركزية، فالجغرافيا هنا ليست مجرد أرض، بل وظيفة استراتيجية، فخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر تشكل شرايين العالم العربي الاقتصادية، وأي موطئ قدم لقوة غير عربية في هذه المساحة الحساسة يعني بالضرورة إعادة تعريف الأمن البحري ومفهوم الاستقلال الاقتصادي والسياسي للدول المطلة عليه، ومن يملك القدرة على الرصد والمراقبة لا يحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة، فالمعلومة في عصرنا تعادل الأسطول، والوجود الاستخباراتي قد يكون أخطر من القاعدة العسكرية.
المشكلة لا تكمن في أرض الصومال بذاتها، بل في سابقة الاعتراف بدولة انفصالية خارج الإجماع الدولي. لأن ذلك يفتح بابًا فلسفيًّا خطيرًا حول مفهوم الدولة وحدودها، وهل السيادة حق تاريخي أم نتيجة ميزان قوى ومن يملك شرعية منح الاعتراف ومنعه، فإذا أصبحت الدولة تجزأ بالاعتراف لا بالحرب فإن العالم العربي الذي يعاني أصلًا من هشاشة داخلية يصبح أكثر عرضة لسياسات التفكيك الناعم.
ومن زاوية فلسفية أعمق فإن هذا الاعتراف يعكس انتقال الصراع من مواجهة مركزية إلى تطويق الأطراف، فبدل الصدام المباشر مع الدول العربية الكبرى يتم الالتفاف عبر العمق الأفريقي وخلق نقاط تأثير حول المجال الحيوي العربي لا داخله، وهذا ما يجعل الخطر تراكميًّا لا فوريًّا، إذ لا يسمع له دوي، لكنه يراكم أثره بمرور الزمن.
أما التأثير على الدول العربية فيتفاوت، لكنه يلتقي في جوهر واحد، فمصر ترى في أي اختراق قرب باب المندب تهديدًا غير مباشر لقناة السويس شريانها الاقتصادي الحيوي، والسعودية تدرك أن أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وتركيا ترى في الخطوة مزاحمة لنفوذها في القرن الأفريقي، بينما تقف الصومال الدولة الأم أمام خطر تفكك سيادتها وتكريس الانقسام كأمر واقع، وفي الخلفية يزداد المشهد اليمني تعقيدًا بإضافة لاعب جديد إلى ساحة مزدحمة بالصراعات، غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في الطرف الذي اعترف، بل في الفراغ العربي ذاته، فالجغرافيا لا تقبل الفراغ، ومن يترك ساحته بلا رؤية ولا حضور فسيجد غيره يملأها وفق مصالحه، وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا تريد إسرائيل، بل ماذا يريد العرب من بحرهم وعمقهم الأفريقي؟ وهل يملكون مشروعًا مشتركًا أم يكتفون بردود فعل متفرقة؟
إن الأمن العربي والإسلامي ليس مهددًا بالانهيار، لكنه مهدد بالتآكل، والتآكل أخطر من الصدمات، لأنه بطيء وغير محسوس، ولا يستدرك إلا بعد فوات الأوان، وما لم يعَد بناء وعي عربي بحقيقة أن البحر الأحمر ليس هامشًا وأن القرن الأفريقي ليس ساحة بعيدة، وأن السيادة لا تحمى بالشعارات، بل بالحضور السياسي والدبلوماسي والتنمية والشراكات المتوازنة فإن مثل هذه الاعترافات ستتحول من استثناء إلى قاعدة.
وفي النهاية لا تحتاج الأمة إلى خطاب غضب بقدر ما تحتاج إلى رؤية عقلانية تدرك أن المعركة اليوم تدار بالعقل قبل القوة وبالخرائط قبل المدافع، وأن من لا يحمي جغرافيته بفهم عميق سيجدها تعاد صياغتها من خارج إرادته.

زر الذهاب إلى الأعلى