التفتيت النفسي والعدو الوهمي:كيف يُفكَّك الوطن في عقول أبنائه قبل خرائطه؟

بقلم د محمد جبريل
لا تسقط الدول عندما يسقط نظامها، أو تُغيَّب قيادتها، أو تُدمَّر مؤسساتها، بل تسقط حين يتآكل الانتماء الوطني بوجدان أبنائها، فلا يدافعون عنها.
تُستهدف الدول بالتفتيت السيكولوجي؛ أي تشكيل وعي الجماعة الوطنية بطريقة تجعل فكرة الدولة محل شك أو اتهام، فيبدأ الشرخ بين الشعب والوطن، والتحول من (نحن) إلى (هم).
تُدار عملية التفكيك عبر مصطلحات يجري نحتها في وعي الناس: الأقاليم التاريخية، الشعوب الأصلية، التهميش، الحقوق المسلوبة… وغيرها.
في هذا المسار، يتم إبراز الصفحات السوداء من تاريخ مكونات الوطن، وتُضخَّم الأخطاء، ويُطمس التاريخ المشترك المجيد، وتشوه الرموز الوطنية، لإسقاطها من الوعي الجمعي.
وفي موازاة ذلك، يتحول الأشقاء إلى أعداء وهميين، ويجري التطبيع مع الأعداء التاريخيين، وتُهمَّش الكفاءات الوطنية، لتحلَّ محلها عناصر عميلة أو جاهلة أو عنصرية أو فاسدة.
وتُفكَّك المؤسسات العسكرية، فتنقلب من مؤسسات وطنية هدفها حماية الدولة إلى ميليشيات متناحرة.
عندما يفقد الفرد الأمان، أو يشعر بالظلم؛ ينسحب (لا شعوريًا) إلى هوياته الصغرى: القبيلة، الطائفة، المنطقة، فتتحول هذه الهويات، إلى بدائل سياسية مشوهة، أي الانتقال من المواطنة الجامعة إلى العصبية الضيقة.
ويُستكمل المشهد بعملية إنهاك نفسي للشعوب، بالترويع والتجويع والتطميع والتركيع، فيصل الناس إلى قناعة (زائفة)، بأن التقسيم هو طوق نجاة، أي (قسٍّموها لكن أخرجونا من حالة الرعب والضنك).
لا يُقدَّم هذا الخطاب كدعوة صريحة للتقسيم، بل في ثوب الإنصاف والعدالة.
عندها يأتي من يرسم الخطوط الفاصلة على الخريطة، بعد أن تكون قد رُسمت مسبقًا في العقول، ويُستبدل الوطن الكبير بدويلات ضعيفة، تابعة، مستباحة، منهوبة، متناحرة.
يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن توظيف علم النفس لصالح مشروع وطني واعٍ، يعيد الثقة بفكرة الدولة، ويعيد الاعتبار للهوية الجامعة، والفضاء الحيوي، وصولًا إلى الوحدة الشاملة؟
معركة الوعي تبدأ بتبنِّي حقيقة أن دولنا مهددة بالتفتيت، وثرواتنا بالنهب، وأجيالنا بالفناء، والإيمان بالوحدة الشاملة كطوق نجاة، وأن البقاء ضمن كيانات كبرى، أفضل من التقوقع داخل كيانات قزمية، والقناعة بأن شركاء المصير ليسوا أعداء، فالعدو التاريخي الكيان وحلفاؤه وعملاؤه، مهما جرت من عمليات تطبيع معه أو اختراق من أدواته.
