مقالات الرأي

هل تحوَّلت المؤسسات الإعلامية إلى أسواق تجارية؟


محسن بن طاهر


لم تكن المؤسسات الإعلامية في نشأتها الأولى واجهاتٍ للعرض، ولا منصاتٍ للبيع، بل كانت ضميرًا حيًّا، ومنبرًا عامًّا، ومرآةً تعكس قلق المجتمع وأسئلته الكبرى. وُلد الإعلام ليُخبر لا ليُغري، وليراقب السلطة لا ليصافحها، وليخدم الصالح العام لا ليقايضه. غير أن المشهد اليوم يثير سؤالًا ملحًّا ومربكًا: هل انزلقت المؤسسات الإعلامية من رسالتها التنويرية إلى منطق السوق التجاري؟
في السوق كلُّ شيءٍ مُعدٌّ للبيع؛ الواجهة برَّاقة، والموسيقى مختارة بعناية، والمنتج يُقاس بقدرته على الجذب لا بعمقه أو ضرورته. وفي إعلام اليوم تبدو القواعد ذاتها حاضرة؛ العنوان الصادم بدل الفكرة الرصينة، والصورة المثيرة بدل المعلومة الدقيقة، وعداد المشاهدات بدل ميزان الحقيقة. لم يعد الخبر يُنشر لأنه مهم، بل لأنه قابل للتداول، ولم تعد القصة تُروى لأنها تُنير، بل لأنها تُغري.
لقد غيَّرت اقتصاديات السوق شكل غرف الأخبار؛ فالإعلان الذي كان شريكًا صامتًا أصبح محرِّكًا أساسيًّا للقرار التحريري. ومع صعود المنصات الرقمية صار «الترند» إلهًا جديدًا تُذبح عند أقدامه الموضوعات الجادة، ويُستبدل بها محتوى سريع الهضم، قصير العمر، واسع الانتشار. هكذا تحوَّل الإعلامي، في كثير من الأحيان، من صحفي باحث إلى منسِّق واجهات، يختار ما يلمع لا ما يلزم.
وليس الخطر في الإعلان بحدِّ ذاته، فالإعلام يحتاج إلى تمويل ليستمر، بل الخطر حين تتقدَّم المصلحة التجارية على المعايير المهنية؛ حين تُقصى التحقيقات الاستقصائية لأنها لا تجلب إعلانات، وحين يُخفَّف نقد السياسات لأنه يُزعج المموِّل، وحين تُستبدل الحقيقة الرمادية بسرديات سوداء أو بيضاء تُرضي جمهورًا مستقطبًا. عندها لا يعود الإعلام سلطة رابعة، بل متجرًا يبيع ما يُطلب.
تُعمِّق وسائل التواصل الاجتماعي هذا التحوُّل؛ فالخوارزميات لا تكافئ الدقة بل الإثارة، ولا تُفضِّل التحقّق بل السرعة. وفي هذا السباق المحموم تتآكل أخلاقيات المهنة: مصادر غير موثوقة، عناوين مضلِّلة، اقتطاع للسياقات، وتضخيم للهوامش… كلُّ ذلك باسم التفاعل، وكأن الحقيقة لم تعد قيمةً بحدِّ ذاتها، بل سلعة تُغلَّف لتناسب السوق.
لكن، هل يعني هذا أن المؤسسات الإعلامية استسلمت بالكامل؟ ليس بالضرورة. فثمَّة أصوات ما زالت تقاوم، وغرف أخبار تُصرُّ على التحقيق، وصحفيون يدفعون ثمن الاستقلال. غير أن مقاومتهم تبدو أشبه بالسير عكس التيار في بحرٍ هائج تحكمه الأرقام. ومع ذلك، فإن وجودهم يذكِّرنا بأن البديل ممكن، وأن الإعلام ليس قدرًا واحدًا.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل تحوَّل الإعلام إلى سوق تجاري؟ بل: هل نقبل نحن بذلك؟ فالجمهور ليس بريئًا دائمًا؛ حين نكافئ التفاهة بالمشاهدة، ونُسهم في نشر الزيف، ونعرض عن المحتوى الجاد لأنه مُتعب، نشارك – ولو دون قصد – في إعادة تشكيل السوق الإعلامية، فالسوق لا يزدهر إلا بالزبائن.
الخروج من هذا المأزق يتطلَّب عقدًا أخلاقيًّا جديدًا بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها؛ عقدًا يعترف بحاجات السوق دون أن يُسلِّم له القرار، ويوازن بين الجاذبية والمصداقية، وبين السرعة والدقة. ويتطلَّب أيضًا سياسات تحريرية تحمي الاستقلال، ونماذج تمويل مبتكرة تُقلِّل ارتهان المحتوى للإعلان، وتستثمر في الجودة بوصفها قيمةً طويلة الأمد.
في النهاية، الإعلام إمَّا أن يكون خدمةً عامة، أو واجهة بيع، وبين الخيارين تُقاس مكانة المجتمعات ونضجها وقدرتها على حماية الحقيقة. فالسوق يلمع اليوم ويبهت غدًا، أمَّا الإعلام الرسالي، وإن بدا أقلَّ بريقًا، فهو ما يبقى، لأنه يُنير الطريق حين تكثر العتمة.

زر الذهاب إلى الأعلى