مقالات الرأي

صرخة الحرية ونداء الكرامة


بقلم: محمد كمون


لقد كانت الفتنة الملعونة التي أُحلت بالوطن اختبارًا قاسيًا لوحدة الشعب الليبي ونسيجه الاجتماعي، كانت ليبيا قبل هذه الفتنة دولة متماسكة وشعبًا واحدًا يجتمع على مائدة مشتركة يتشارك الأفراح والأتراح، لكن ومنذ أن غرست الدول العربية والإمبريالية المعاصرة بذور الشقاق تحول المشهد إلى ساحة لحرب نفسية شرسة استهدفت العقول قبل الأجساد.
لم تكن هذه الحرب صراعًا على السلطة أو الموارد، بل كانت حربًا لتفتيت الهوية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وجعل الليبيين أدوات في صراعات إقليمية أكبر.
وكانت المنابر الإعلامية، وتحديدًا تلك القنوات العربية التي ادعت نصرة قضايا الأمة، هي رأس الأفعى التي بثت سموم الفرقة. قنوات، كـ “الجزيرة وأخواتها” ومن لف لفهما، لم تتردد في تزييف الحقائق وتشويه القيادات التاريخية وتمرير روايات مغلوطة عن تاريخ ليبيا العريق الذي طالما افتخر به الليبيون.
لقد استغلت هذه الأبواق براعة مشينة في اللعب على وتر الخلافات واستدراج ضعاف النفوس الذين أصبحوا بسذاجة أو بخبث أدوات طيعة لتلك القنوات والدول الداعمة لها كقطر والإمارات وتركيا، وحتى مملكة آل سعود التي كثيرًا ما ادعت الدور الريادي في المنطقة لم تألُ جهدًا في إشعال نار الفتنة، حيث كانت قناتها “العربية” أشبه بـ “رأس أفعى” ممتلئة بالسم الزعاف الذي شل حركة الليبيين وأفقدهم القدرة على التمييز بين الصديق والعدو وبين الحقيقة والوهم.
لقد نجحت هذه الحملة الإعلامية المسعورة في خلق واقع جديد استخدم فيه التزييف والتضليل كسلاح، وأصبحت فيه الصورة النمطية للسعودي القطري الإماراتي أو التركي متداخله مع صورة الليبي.
هذا التعتيم الإعلامي المتعمد الذي وظفته الدول المتصارعة جعل ليبيا ساحة للحرب بالوكالة بعيدًا عن أي اعتبار لأهلها ومستقبلها.
لقد تم نسج روايات مفصلة تهدف إلى إدامة الصراع واستنزاف المقدرات وتدمير الهوية الليبية الأصلية، كانت الغاية النهائية هي إبقاء ليبيا مشتتة ضعيفة ومستنزفة، لكن كما هي عادة الأحداث الجسام فإنها تكشف معادن الرجال وتظهر حقيقة النوايا، وبعد أن مرت موجةٌ عارمة من الفتن والدماء والدمار وذاق الشعب الليبي مرارة الخسارة وبدأت صور الحقيقة تتكشف حدث انقسام في الوعي الجمعي.
فبينما تراجع بعض الليبيين عن غيهم واعترفوا بالخطأ الجسيم والفداحة التي ارتكبوها في حق وطنهم وبعضهم بادر بفتح المعتقلات والإفراج عن أنصار الوطن بل وحتى الإعلان عن اعتذار وإن كان مبطنًا في بعض الأحيان فإن آخرين استمروا في ضلالهم وارتضوا لأنفسهم طريق الخيانة والفساد.
هؤلاء لم يعودوا يهتمون بإرضاء وطنهم أو حماية بني جلدتهم، بل أصبحت غايتهم الوحيدة هي إرضاء الخارج وتلقي الأوامر من الجهات الداعمة لهم مهما كان الثمن.
إن هذا التناقض الصارخ يعكس أزمة أخلاقية عميقة فقد حان وقت الحساب، لقد انقسمت البلاد بين من سعى بصدق للمصالحة والتكفير عن الخطيئة وبين من استمر في نهج التدمير والخيانة، ومن المؤسف أن الذين استمروا في ضلالهم هم من وجدوا الدعم الأكبر، وهم من حافظوا على مواقعهم، وهم من ظلوا يهددون وحدة الوطن.
وفي خضم هذه الروايات المتشابكة تبرز قصة مؤلمة، قصة تجسد عمق الظلم الممنهج، فبينما أُفرغت المعتقلات من كل من كان فيها، سواء بالإفراج الصحي أو العفو أو حتى بسبب الوفاة وعاد المهجرون وكل من طرد وفصل عن أهله لا يزال أبناء فزان، هذه المنطقة العريقة وهذا الجزء الحيوي من ليبيا، قابعين في المعتقلات دون توجيه أي تهمة رسمية لهم.
إن هذا التجاهل المتعمد وهذا الإقصاء الممنهج هو ضرب من ضروب الظلم الذي لا يمكن تبريره، إنه وصمة عار في جبين كل من يدعي حب الوطن، وهو تذكير بأن مفهوم المواطنة في ليبيا لم يكتمل بعد، وأن الحقوق ليست متساوية في التطبيق.
لقد تم تهميش بصمات أبناء فزان وتجاهل أصواتهم، بل وقمع وجودهم وكأنهم لا ينتمون إلى هذا الوطن، لقد تم استخدامهم كبش فداء أو كأداة للمساومة في صراعات أكبر.
الحرية هي حق أصيل لا يمكن تجزئته أو تقييده دون وجه حق، إن حبس الأفراد دون تهمة أو تهجيرهم من أرض آبائهم هو نفي للحرية وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان وللحقوق الوطنية.
إن ما تمر به ليبيا وما عاناه أبناؤها يجب أن يكون درسًا يستفاد منه، ولا يمكن لوطن أن يبنى على الظلم والنسيان، لا يمكن لدولة أن تزدهر وتتقدم وهي تقصي فئة من أبنائها وتحرمهم من حقوقهم الأساسية.
إن واجب الدولة يقتضيها أن تقف صفًّا واحدًا للدفاع عن حقوق كل أبنائها بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية أو السياسية، إن وحدة الصف، والعدالة المطلقة، هما السبيل الوحيد لطيِّ صفحة الماضي وعبور مرحلة الفتنة نحو مستقبل أفضل.

زر الذهاب إلى الأعلى