مقالات الرأي

دوافع العدوان الأمريكي على فنزويلا وتداعياته الجيوسياسية والاقتصادية


عبدالفتاح شريف


شهد فجر الثالث من يناير لحظة فاصلة في تاريخ أمريكا اللاتينية، حين أعلنت الولايات المتحدة عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة داخل فنزويلا انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد ليواجها اتهامات أمريكية بالإرهاب وتجارة المخدرات، وهي التهم التي درجت الإدارات الأمريكية على استخدامها ضد خصومها السياسيين في أمريكا اللاتينية كذرائع لتبرير التدخلات ذات الدوافع السياسية والاقتصادية بهدف حماية المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الأمريكية.
وفتحت العملية العسكرية في فنزويلا الباب أمام أسئلة حول دوافع واشنطن الحقيقية، وحدود الشرعية الدولية، وتداعيات الحدث على توازنات السياسة والطاقة في العالم، لأن العدوان الأمريكي يهدف إلى إعادة رسم توازن القوى في أمريكا اللاتينية في تصعيد غير مسبوق منذ غزو بنما واعتقال الرئيس نورييغا سنة 1989، وحتمًا سيخلق سابقة خطيرة تبرر التدخل العسكري المباشر لتغيير الأنظمة، ويقوض نظام الأمن الجماعي بعد الحرب الباردة.
فنزويلا ليست دولة مأزومة، بل خزان الطاقة الأكبر عالميًّا، والتي تم خنق إنتاجها سنة 2024–2025 في حدود مليون برميل يوميًّا بسبب العقوبات والحصار اللوجستي، ما أبقى مليون برميل إضافية خارج السوق. وقد أفادت مصادر مطلعة في واشنطن بأن شركات طاقة أمريكية وأوروبية أعادت تفعيل قنوات الاتصال مع وزارة الخزانة الأمريكية فور العملية بحثًا عن إطار قانوني جديد للعمل في فنزويلا، ما يؤكد أن ملف النفط لم يكن تفصيلًا ثانويًّا في العدوان العسكري الأمريكي.
وقبل ساعات من البيان الرسمي للبيت الأبيض التقطت أسواق النفط الإشارة، حيث ارتفعت عقود خام برنت فجأة، وقامت شركات الشحن بتعديل مسارات الناقلات، دون أن يقوم أحد بالإجابة عن السؤال المهم وهو: كيف عرفت الأسواق بالعملية التي لم يُعلن عنها؟ والإجابة تقودنا إلى ما هو أبعد من ضربة أمنية أو اعتقال رئيس، وتفتح ملفًا مسكوتًا عنه، وهو أن النفط هو الدافع غير المعلن للتدخل الأمريكي في فنزويلا.
وتسوق الرواية الرسمية للعدوان على أنه جاء نتيجة تهديدات أمن قومي مرتبطة بملفات مخدرات عابرة للحدود، ولكن مراجعة مسار الأحداث تكشف فجوة زمنية لافتة، حيث أفادت مصادر غربية أن مشاورات مكثفة حول مرحلة ما بعد مادورو بدأت منذ أسابيع، وأنها تطرقت إلى مستقبل العقوبات وإدارة قطاع الطاقة، كما أفادت مصادر في قطاع الشحن البحري بأن بعض شركات التأمين رفعت أقساط المخاطر على المسارات الفنزويلية قبل أيام من العملية، في مؤشر نادرًا ما يحدث دون تسريبات رسمية.
ومن أهم الدوافع الحقيقية للعدوان الأمريكي على فنزويلا:
النفط والاقتصاد، وإعادة تشكيل النظام السياسي في فنزويلا، رسالة ردع جيوسياسية، اعتبارات داخلية أمريكية.
التداعيات الجيوسياسية للعدوان الأمريكي على فنزويلا:
يُعدُّ العدوان العسكري على دولة مستقلة واعتقال رئيسها أثناء وجوده في السلطة بواسطة قوة عسكرية أجنبية سابقة خطيرة في القانون الدولي، تضعف مبدأ سيادة الدول المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وتفتح الباب أمام تبرير تدخلات مشابهة من قوى كبرى أخرى بذريعة إنفاذ القانون أو مكافحة الإرهاب، مما يعمل على زيادة هشاشة القانون الدولي وتآكل المعايير التي تفصل بين العمل القضائي والعسكري.
كما أدى هذا العدوان السافر إلى التصعيد الاستراتيجي مع روسيا والصين، حيث أدانتا العملية ووصفتاها بالعدوان المسلح وبالانتهاك الصارخ للقانون الدولي، وطالبتا بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، ما يعزز منطق الاستقطاب العالمي وينذر بتشدد روسي–صيني في ملفات أخرى وتقليص فرص التعاون المستقبلي مع أمريكا في مجلس الأمن.
كما يُتوقع حدوث ارتدادات إقليمية في أمريكا اللاتينية التي تشهد انقسامًا واضحًا بين الحكومات اليمينية في الأرجنتين التي رحبت بالعملية، والحكومات اليسارية أو المعتدلة في كولومبيا والمكسيك التي عبرت عن قلقها البالغ من زعزعة الاستقرار وتدفق اللاجئين، حيث يُتوقع أن تتم عسكرة الحدود بين فنزويلا وكولومبيا.
ومن أبرز المعضلات التي نتجت عن التدخل الأمريكي السافر هي معضلة من يحكم فنزويلا، وذلك لأن عدم وجود أي إعلان واضح عن سلطة بديلة أو جدول زمني للانتقال السياسي يخلق فراغًا سياديًّا، بالرغم من حديث واشنطن عن إدارة مؤقتة، لكن من دون تفويض دولي أو توافق داخلي، ما يهدد بخطر الانزلاق إلى صراع داخلي بين أجنحة النظام البوليفاري والمعارضة، واحتمال ولادة مقاومة مسلحة غير نظامية ضد الوجود الأمريكي وحلفائه المحليين.

٤

زر الذهاب إلى الأعلى