مقالات الرأي

النظام الصحي في زمن الاضطراب العالمي


علي المبروك أبو قرين


لم يعد العالم كما كان، فهو اليوم يعيش على إيقاع متسارع من القلاقل والتوترات والصراعات والحروب، تتقاطع فيه الأوبئة المتحورة والكوارث الطبيعية المتزايدة والهجرات الجماعية، والتغيرات البيئية والمناخية، والاضطرابات الاقتصادية العميقة. عالم لم تعد فيه التهديدات الصحية استثناءً طارئًا، بل أصبحت واقعًا دائمًا ومركبًا يتغير شكله ويتسع نطاقه وتتداخل أسبابه، وقد يجتمع كل ذلك في لحظة واحدة وبقوة مدمرة، وفي هذا السياق القاسي يصبح السؤال الصحي سؤال بقاء وليس سؤال خدمات.
النظام الصحي خط الدفاع الأخير عن حياة الناس وكرامتهم وأمنهم الإنساني، إلا أن الواقع الصحي الحالي في كثير من الدول الهشة أو المتعثرة ومنها بلادنا يكشف عن أنظمة صحية مترهلة ومفككة ومنعدمة أو محدودة الجاهزية وضعيفة البنية، وغير قادرة على الاستجابة حتى للاحتياجات اليومية الروتينية، فكيف لها أن تواجه أوبئة كاسحة، أو كوارث طبيعية مدمرة أو أزمات إنسانية واسعة النطاق؟ إن أي نظام صحي غير مكتمل البنية وغير محصن وغير مخطط له استراتيجيًّا هو نظام يُعرض المجتمع بأسره للخطر ، فالتحديات الصحية الحديثة لا تُواجه بردود أفعال مرتجلة ولا بإجراءات إسعافية مؤقتة، بل تتطلب بنية تحتية صحية متكاملة ومتطورة وقادرة على الاستيعاب والصمود ومحمية من الانهيار ومصممة للعمل في أقسى الظروف، سواء في أوقات الاستقرار أم في لحظات الفوضى والكوارث، ويتطلب ذلك مستشفيات آمنة ومقاومة للمخاطر وقادرة على العمل تحت الضغط ومجهزة بتقنيات متقدمة للتعامل مع الأمراض والحوادث الجماعية والإصابات واسعة النطاق، ومنظومة طوارئ وإسعاف وإنقاذ وإخلاء طبي عالية الكفاءة، وتمتلك وسائل النقل والاتصال والتنسيق والجاهزية للعمل في أسوأ السيناريوهات الممكنة.
ولا قيمة لأي بنية تحتية دون الإنسان المؤهل القادر على تشغيلها، فالقوى العاملة الصحية بأعداد كافية وتدريب متخصص وكفاءة مهنية عالية تمثل العمود الفقري لأي نظام صحي قادر على مواجهة الكوارث الصحية المرعبة. كوادر مدربة على الطب في ظروف الأزمات وعلى إدارة الحوادث الجماعية وعلى العمل في بيئات شديدة الخطورة والضغط دون انهيار أو ارتباك.
كما أن الجاهزية الصحية الحقيقية لا تكتمل دون سعات سريرية مرنة، ومخزونات استراتيجية آمنة من الأدوية والمستلزمات والمحاليل واللقاحات، وشبكات اتصال فعالة لا تنقطع في أسوأ الظروف، ونظم معلومات صحية تضمن سرعة القرار ودقته.
والصحة في زمن الكوارث تُدار بالثواني، وأي خلل في التواصل أو الإمداد قد يعني فقدان أرواح لا تُعوض، وامتلاك نظام صحي وطني قوي لم يعد خيارًا سياسيًّا أو ترفًا تنمويًّا، بل أصبح واجبًا سياديًّا وأخلاقيًّا وأمنيًّا، نظام يعمل بكفاءة في الظروف الطبيعية ويزداد صلابة في الظروف الاستثنائية، ويحافظ على جاهزيته القصوى مهما تغيرت التهديدات وتبدلت أشكالها. والغاية النهائية ليست فقط الاستجابة للكوارث بعد وقوعها، بل الاستعداد المسبق لها وتقليل آثارها والحد من خسائرها وضمان نجاة الناس وحماية حياتهم وكرامتهم. وهنا فقط يُقاس نضج الدول وتُختبر قوة المجتمعات ويُعرف إن كان النظام الصحي أداة حماية حقيقية أم مجرد هيكل هش ينهار عند أول اختبار.

زر الذهاب إلى الأعلى