مقالات الرأي

ليبيا بين تشريح التشبث السلطوي وإمكانيات التحول


بقلم: خالد الزغيبي


تتجلى الأزمة الليبية في تعقيد يتجاوز الصراع السياسي الظاهر إلى بنية مجتمعية متشظية، حيث يتحول التمسك بالسلطة من مجرد سعي إلى الهيمنة إلى آلية دفاع وجودية. كل مجموعة، كل جهة، كل تشكيل اجتماعي يرى في السلطة الضمانة الوحيدة لبقائه وهويته. هذا ليس مجرد صراع على الموارد أو النفوذ، بل هو صراع على حق الوجود ذاته في فضاء وطني لم يستطع بعد صياغة عقد اجتماعي يضمن التمثيل والحماية للجميع.
ففي مجتمع يعاني من فراغ مؤسسي عميق، يصبح التمسك بالموقع السلطوي سلوكًا وجوديًّا وليس اختياريًّا. الأطراف المختلفة لا تتمسك بما لديها لأنها ترفض المشاركة فحسب، بل لأنها تعيش حالة من الخوف الوجودي من أن يعني التنازل عن جزء من السلطة بداية النهاية للهوية الجماعية التي تمثلها. في هذا السياق، تتحول المكاسب السلطوية من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى غاية بحد ذاتها، إلى رمز للبقاء وللشرعية.
هذا التشبث المرضي لا يعبر عن قوة الأطراف بقدر ما يعبر عن ضعفها الداخلي، عن هشاشة شرعيتها، عن خوفها من أن يفضي أي تنازل إلى انهيار كامل لموقعها. إنه دليل على غياب الثقة بين المكونات المختلفة، وعلى عدم وجود ضمانات حقيقية تحمي الحقوق في حالة التنازل عن جزء من المكاسب.
فما نراه في بلادنا ليس صراعًا بسيطًا بين قوتين أو ثلاث، بل هو شبكة معقدة من التناقضات المتداخلة، تناقض بين المركز والأطراف، بين المدن والقبائل، بين الخطاب الوطني والولاءات المحلية، بين الأمس واليوم والغد. هذه التناقضات لا تتعايش بسلام، بل تتصارع باستمرار، كل منها يحاول أن يفرض منطقه على الآخر.
هذا الصراع المركب يخلق حالة من الفصام الجمعي، حيث يعيش الفرد الواحد، والمجموعة الواحدة، في عدة عوالم متوازية ومتناقضة في آن معًا. عالم الخطاب الوطني شبه الرسمي، وعالم الولاءات المحلية، وعالم المصالح الضيقة، كل هذه العوالم تتعايش في الذهن الجمعي، وتتصارع في الممارسة اليومية، مما يجعل أي توافق وطني يبدو مستحيلًا.
المشكلة الجوهرية تكمن في أن محاولات حل الأزمة تنطلق في الغالب من إنكار التعقيد بدلًا من فهمه والتعامل معه. هناك هروب دائم إلى الحلول البسيطة، إلى الوصفات الجاهزة، إلى محاولة استعادة نموذج الدولة المركزية الذي ثبت فشله. هذا النهج لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدًا، لأنه يرفض الاعتراف بالواقع كما هو، ويصر على التعامل معه كما نتمنى أن يكون.
الحل يبدأ من فهم أن التعقيد ليس مشكلة يجب حلها، بل واقعًا يجب إدارته. إن التعددية ليست مرضًا يجب علاجه، بل حالة يجب التعامل معها بحكمة. ما لا ينظر إليه الليبيين بعين الاهتمام هو أن التناقضات ليست عيبًا في التركيبة الاجتماعية، بل سمة من سماتها التاريخية والجغرافية.
والخروج من هذا المأزق يتطلب نقلة نوعية في التفكير، من التفكير في كيف ننتصر ـــ التي يطبل لها متصدرو الفضائيات الطارئون في المشهد الإعلامي ــ إلى التفكير في كيف نتعايش، من التفكير في كيف نفرض وحدة مصطنعة إلى التفكير في كيف ندير تنوعًا حقيقيًّا. هذا التحول الفكري هو شرط أي تحول سياسي ناجح.
يبدأ هذا المسار بالاعتراف الكامل والواضح أن الواقع الليبي واقع مركب، وأن أي محاولة لتبسيطه أو إنكار تعقيده مصيرها الفشل. الاعتراف ليس خطوة للضعف، بل هو خطوة للقوة، لأنها تتيح التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
من هذا المنطلق، يتشكل طريق الخروج عبر تحويل الصراع من صراع على السلطة إلى صراع على تقديم الخدمات، من صراع على المناصب إلى صراع على الإنجازات. عندما تصبح المحاسبة المجتمعية المباشرة هي المقياس الحقيقي للشرعية، وليس الانتماء القبلي أو الجهوي، عندها تبدأ ديناميكية جديدة.
هذا التحول يتطلب بناء مؤسسات جديدة، ليست مؤسسات تقليدية مركزية، بل مؤسسات مرنة قادرة على إدارة التنوع. مؤسسات تعترف بالتعددية وتوفر آليات للتعايش بين المختلفين. مؤسسات تحول السلطة من غنيمة تقتسم إلى خدمة تقدم.
إلى جانب البناء المؤسسي، هناك حاجة ماسة إلى بناء ثقافة جديدة، ثقافة تتعلم فيها المكونات المختلفة كيف تتعايش مع اختلافاتها، كيف تتحاور حول تناقضاتها، كيف تتعاون رغم تبايناتها. هذه الثقافة لا يمكن فرضها من الأعلى، بل يجب أن تنمو من الأسفل، من خلال التعليم، والإعلام، والممارسة اليومية. الثقافة الجديدة يفترض فيها أن تقوم على فكرة أساسية، هي أن الاختلاف طبيعي، وأن التنوع ثراء، وأن التعايش ممكن. أنها ترفض فكرة أن الوحدة تعني التطابق، وتروج لفكرة أن الوحدة يمكن أن تكون في التنوع نفسه.
إن المستقبل الذي يمكن تصوره ليس مستقبل دولة مركزية قوية كما في الأحلام القديمة، بل مستقبل كيان مركزي مركب، يعترف بتنوعه، ويدار بحكمة. ليس مستقبل هوية واحدة مهيمنة، بل مستقبل هويات متعددة تتعايش في فضاء وطني واحد.
هذا المستقبل ليس سهلًا، وليس قصير الطريق، لكنه ممكن. ممكن إذا قبلنا بفكرة أن الحل ليس في انتصار طرف على آخر، بل في تطور الوعي الجمعي بقبول فكرة أن الخلاص الجماعي ممكن فقط من خلال القبول بالآخر والتعايش معه.
الطريق الليبي نحو الاستقرار أيها السادة يمر عبر فهم عميق لطبيعة الأزمة، ليس كأزمة سياسية عابرة، بل كأزمة بنيوية عميقة. يتطلب هذا الفهم شجاعة الاعتراف بالتعقيد، وحكمة إدارته، وصبر التعامل معه. ليس المطلوب معجزة، بل واقعية. واقعية تقبل أن المشكلة عميقة، وأن الحل طويل، وأن الطريق صعب. واقعية ترفض الوهم بالحلول السريعة، وتصر على العمل الجاد البطيء. واقعية تعلم أن بناء الوطن ليس حدثًا واحدًا، بل عملية مستمرة، تحتاج إلى صبر وإصرار.

زر الذهاب إلى الأعلى