مقالات الرأي

(الفيتو) ضد استعادة ليبيا موحَّدة بجيشها القوي

بقلم د. محمد جبريل


بدايةً، لنترحَّم على الحداد؛ فأطراف عديدة محلية وخارجية كانت تتمنى تغييبه، فمنهج أعداء الأمة، توظيف الزنادقة والعملاء، لاستهداف الجيوش والمقاومة والقادة، والجيش الليبي ليس استثناءً من جيوش العرب، إذ تم تدميره واغتيل المئات من ضباطه، حتى من انضمَّ إلى التمرد، كعبد الفتاح، والطيارين العقيلي، والسمين، وعلي حدوث، في رسالة واضحة: “لا مكان للعسكريين المحترفين، لأن وجودهم يصطدم بمشروعنا”.
اليوم تغيّرت الوجوه والمسميات، وبقيت العقيدة والنهج، فجنيف جاءت بائتلاف بين التنظيمات الإسلاموية والناهبين، فالغرياني يحرِّض، والرئاسي يصوِّغ، والحكومة تموِّل.
كان الحداد نموذجًا لضابطٍ عفيف ينتقد الفساد، يسعى إلى إعادة الاعتبار للشرف العسكري، بعيدًا عن الولاءات الأيديولوجية أو التهديدات الميليشياوية. دعا إلى توحيد الجيش، ومنع الاقتتال، ورفض استخدام المؤسسة العسكرية لأغراض سياسية، فقالها بوضوح:
“كمشة ليبيين أنذال، منحطِّين أخلاقيًّا، يجرجروننا من آذاننا إلى الذل، يريدوننا عبيدًا نحرس المحتل”.
رغم تهميشه وتقليص صلاحياته، فإن شخصيته الوطنية الصدامية نحتت له موقعًا في المشهد. لم يُسجَّل عليه أي موقف عدائي ضد قيادة القوات المسلحة، أو تيارنا، أو أي تيار آخر، فأكسبه ذلك احترام الأغلبية، لكن موقفه وضعه في مواجهة القوى التي تعتبر الجيش الموحَّد تهديدًا وجوديًّا لها، فهي لا تزدهر إلا في ظل جيوش ضعيفة، وأجهزة أمن مخترقة، وسلطة سياسية نهابة مرتهنة لإرادة الأجنبي والميليشيات.
يدور حديث دولي حول توحيد المؤسسة العسكرية، غير أن إبعاد الشخصيات الوطنية يؤدِّي إلى توحيد شكلي، بصناعة آلة ضبط أمني تمنع الانفجار وتُبقي الفوضى، لأن ليبيا المستقرة والموحَّدة أقل ربحية لهم من ليبيا بفوضى مُدارة.
قبل أقل من أسبوعين من وفاة الحداد، زار النمروش بريطانيا، مما يشي بفكرة “أزيحوا هذا، فأنا رجلكم في الغرب الليبي”.
مواجهة هذا المسار العدمي تتطلب إرادة سياسية صلبة تُدرك أن معركة بناء وتوحيد المؤسسة العسكرية هي معركة وجود. فهل ستتوحد بإرادة وطنية، أم بإرادة أجنبية؟
الخروج من الفوضى ووقف نزيف الدماء، يتطلَّب حلًّا وطنيًّا بعيدًا عن الوصاية، فهل المرحلة القادمة بناء دولة، أم مجرد تدويرٍ للأزمة؟
إن استمر الحال على ما هو عليه؛ فسيصل الحراك الشعبي إلى نقطة الغليان، وينفجر من الظلم.

زر الذهاب إلى الأعلى