مقالات الرأي

نعود من جديد كلما تنضج الكلمة!


بقلم/ فرج بوخروبة



في هذا الوطن الذي تتداخل فيه الأزمنة وتتَعاقب فيه التحولات، يبقى للكتابة موقع يشبه موقع الظلال التي ترافق الأشجار في كل الفصول، فلا هي تختفي تمامًا ولا هي تسبق الجذور، بل تسير معها في هدوء يليق بالأرض التي وهبتها وجودها. ومن يتأمل ليبيا اليوم يدرك أن الكلمة ليست مجرد أداة تعبير، بل نافذة تسمح للناس بأن يروا ما وراء المشهد، وتسمح للوطن بأن يسمع أبناءه كما يسمع النهر تلك الحصى الصغيرة التي تصنع موسيقاه الخفية. والكتابة هنا ليست محاولة لالتقاط لحظة عابرة، بل هي سعي دائم لتسجيل ما يبقى من أثر الناس في طرقاتهم وأسواقهم وبيوتهم وذاكرتهم، فالأوطان لا تعيش بالخرائط وحدها، بل تعيش بما يستقر في وجدان أهلها من حكايات وقيم ومعنى وتجارب. ومهما طال الطريق تبقى الكلمة جزءًا من هذا البناء الذي لا يكتمل إلا بتراكم التفاصيل الصغيرة التي يصوغها البشر كل يوم، ومع مرور الوقت يتعلم الكاتب أن الوطن ليس مادة جاهزة تُكتب مرة واحدة وتُطوى، بل هو حوار مستمر بين الحاضر والماضي، وبين ما نريده وما نخشاه وما نرجو أن يتحقق على هذه الأرض التي تعود إليها الخطوات مهما ابتعدت.
وقد يحدث أن تتوقف الكلمة لحظة، كما تهدأ الريح قبل أن تستأنف رحلتها الطويلة فوق الصحراء، لكن التوقف في جوهره ليس غيابًا، بل فرصة لالتقاط الأنفاس، وفرصة لرؤية الأشياء بمنظار أعمق، ورؤية الصورة من زاوية أخرى. فالوطن نفسه يعرف أن الصمت جزء من الكلام، وأن العودة جزء من المسار وليست حدثًا طارئًا أو علامة على تقلب المزاج. فهناك كلمات لا تأتي إلا بعد أن يهدأ الضجيج، وتستقر الفكرة في مكانها، وتتهيأ الروح لتقول ما تراه بصدق، دون مبالغة ودون أن تبحث عن تبرير أو إثبات. وحين تعود الكلمة، فإنها تعود لأنها وجدت ما يستحق أن يُقال، لا لأنها تحاول أن تفسر غيابها. فالأوطان لا تحاسب أبناءها على الفواصل الزمنية، بل على مقدار محبتهم لها، وعلى مقدار ما يضيفونه من نور في لحظات التعثر.
وليبيا، التي تشبه فسيفساء واسعة من المدن والقرى والجبال والسهول، تحتاج دائمًا إلى من يكتب عنها بضمير هادئ لا يريد أن يرفع صوته ولا يسعى إلى الاصطدام، بل يكتفي بأن يضع كلمته كما يضع المسافر حجرًا صغيرًا في طريق يعرف أنه سيُبنى يومًا بسواعد كثيرة من كل الجوانب. فالوطن مشروع جماعي تتداخل فيه أحلام الناس وتحدياتهم، وتختلف فيه وجهات النظر، لكن يبقى الجامع الأكبر أن هذه الأرض تستحق أن تُحب، وأن تُصان، وأن تُكتب بصدق يليق بتاريخها وبالتضحيات التي شهدتها عبر عقود طويلة. ولعل أجمل ما في الكتابة للوطن أنها لا تحتاج إلى احترافية عالية بقدر ما تحتاج إلى قلب مفتوح يرى التفاصيل البسيطة في حياة الناس، تفاصيل لا تلتقطها نشرات الأخبار ولا التحليلات الجافة، بل تلتقطها العين التي تعرف معنى الانتماء، والسمع الذي يلتقط نبرة الشوارع والأسواق والمقاهي، والأغاني القديمة التي لا تزال تمنح الليبيين ذاكرة مشتركة.
والكتابة عن الوطن ليست عملًا موسميًا ولا فعلًا مرتبطًا بلحظة معينة، بل هي خيط يمتد مهما تبدلت الظروف، وقد تتراجع أحيانًا لتترك المجال لغيرها من الانشغالات، ثم تعود كما يعود النور في الصباح دون إعلان ودون لفت انتباه، ودون أن تنسب لنفسها فضلًا أو بطولة. فكل ما تفعله الكلمة أنها تحاول أن تفتح نافذة صغيرة في جدار الأيام، وأن تمنح الناس منظورًا يساعدهم على رؤية ما يستطيعون فعله بأيديهم، لا بما يتمنونه فقط. وهذه العودة الطبيعية للكلمة ليست إلا دلالة على أن الوطن ما زال قادرًا على إلهام أبنائه، وعلى دفعهم إلى التعبير عنه بطريقتهم، وعلى تذكيرهم بأن حضورهم فيه لا يكتمل إلا حين يضع كل واحد منهم ما يستطيع في مكانه الصحيح.
ومن يكتب عن ليبيا اليوم يدرك أن هذه البلاد تحمل رصيدًا عميقًا من القيم التي تربى عليها جيل الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، قيم الاحترام والبساطة والصبر وحب العمل وتقدير الجار والتمسك بالعائلة، والشعور بأن الخير ممكن مهما ازدادت التحديات، وأن المستقبل يستحق أن يُبنى لا أن يُنتظر. وهذه القيم نفسها هي ما يجعل الكلمة ضرورة وليست ترفًا، لأن التذكير بها هو شكل من أشكال الوفاء للذين جاءوا قبلنا وللذين سيأتون بعدنا. فالأوطان لا تُحفظ بالقوة وحدها، بل تُحفظ بالذاكرة وبالوعي وبحكايات الناس التي تنتقل من جيل إلى جيل، وتصبح جزءًا من شخصية البلاد ومن صورتها أمام نفسها وأمام الآخرين.
ولهذا فإن الكتابة عن الوطن ليست عودة بعد توقف بقدر ما هي استمرار طبيعي لمسار لا ينقطع إلا ليعود أكثر هدوءًا وأكثر وضوحًا وأكثر قربًا من الناس. فالغاية ليست أن نكتب كثيرًا، بل أن نكتب بما يضيف وبما يشبه وطنًا يستحق أن يُكتب عنه دائمًا دون ادعاء ودون انتظار شكر أو لوم أو تبرير، فالوطن أكبر من ذلك كله، وهو القادر وحده على أن يعطي للكلمة قيمتها، وأن يجعل القلم يجد طريقه مهما تغيّر السياق ومهما طال الصمت من حوله، لأن ليبيا في نهاية الأمر ليست مجرد مكان، بل معنى يتجدد كلما اقتربنا منه وكتبنا عنه بصدق ومسؤولية وأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى