رحيل العمر.. وخيط الدخان

بقلم: خضير الزروق
خرج علينا أحد أساتذة القانون الدولي بالجامعة الأمريكية في لبنان بعد فشل مجلس الأمن المتكرر في وقف حروب الإبادة في غزة، معتذرًا لطلابه عن تشدده في تدريس مقررات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومنظمة الأمم المتحدة، ويرى لا حاجة لتدريس هذه المقررات – المعذرة برهان العقل – ولمعرفة حقيقة الأشياء نرجعها لأصلها، فالقانون الدولي في أصل نشأته كان (تعبيرًا عن قيم حضارة الجماعة الأوروبية المسيحية ومصالحها في العالم)، عندما اجتمعت الدول (فرنسا والنمسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا) صاغت مجموعة من القواعد القانونية لتنظيم العلاقات فيما بينها بصفة طائفية إقليمية.
وبعد الحرب العالمية الأولى فُتح المجال أمام دول ليست أوروبية وليست مسيحية للانضمام إلى الجماعة مثل الصين وإيران والحبشة، وشهد عام 1856م انضمام تركيا إلى الجماعة وفق معاهدة ما عُرف بصلح باريس، ومن تداعيات انضمام الحكومة التركية التحول من دولة دينية إلى دولة علمانية، واستبدلت الحروف العربية بالحرف اللاتيني في لغتها واحتواء القوة العسكرية التركية في الحلف الأوروبي المسيحي (وتسعى جاهدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وما زالت تنتظر إلى يومنا هذا؟!). فالقانون الدولي صناعة أوروبية والمؤسسات التنفيذية صناعة أمريكية من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة، فاستحوذت أمريكا على المقر ومجلس الأمن والفصل السابع ولجنة أركان الحرب المكونة من رؤساء أركان حرب الدول دائمة العضوية والإدارة المالية، وتركت لبقية العالم الجمعية العامة والفصل السادس ومحكمة العدل الدولية.
وبعد مرور خمسة قرون على تقنين بعض قواعد العلاقات الدولية وقرابة القرن على تأسيس الأمم المتحدة، ما زال الغرب بقيادة أمريكا يفتعل الحروب في كل مكان من العالم، وحل الخيار العسكري محل الخيارات السياسية بتغليف أيديولوجي تبريرًا لأي تدخل عسكري بحجة تهديد الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب أو حماية الممرات البحرية، وبروح جمود وتصلب استراتيجي (خذ أو اترك)، فُرضت العقوبات والحصار الجوي والبحري وقطع المعونات الإنسانية وتجميد الأرصدة المالية.
وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي وبدايات تسعينيات القرن الماضي وانهيار حلف وارسو، في هذه المرحلة أصبح دور مجلس الأمن إضفاء الشرعية الدولية على سياسات أمريكا الخارجية بحروبها وعقوباتها وتدخلاتها في شؤون بقية الدول، إلى جانب فرض عقوبات منفردة من قبل أمريكا والاتحاد الأوروبي مثل (عقوبات على إيران، وسوريا، وروسيا وغيرها)، فحلت المؤسسات التشريعية في أمريكا والاتحاد الأوروبي محل مجلس الأمن الدولي في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشؤون الدولية.
وبهذا تحولت هيئة الأمم المتحدة إلى (جمعية خيرية) توزع المساعدات الإنسانية لمتضرري الحروب والكوارث الطبيعية، وصيغة التحالفات ما هي إلا تحالف بين من يملك فائض المال من أنظمة العالم الثالث (الخائفة) ومن يملك القوة العسكرية (المخيفة)، شكل تهديدًا على أمن واستقرار الدول، وما عُرف بالربيع العربي وتداعياته والحرب على العراق أوضح مثال على تفكيك الدول ونهب ثرواتها.
أصبح التعامل مع المجتمعات الإنسانية بعقلية الحداد وتشكيل المعادن بالنار والمطرقة لإخضاع الآخر، وأصدق مثال على ذلك صناعة شرق أوسط جديد. وشهدت منابر الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر تاريخها اعتراضات واحتجاجات ومطالب من قبل الأعضاء مثل إصلاح الأمم المتحدة، تعديل القانون الأساسي، إعادة الهيكلة، نقل اختصاصات، كلها تصب في محاولة تطوير الأمم المتحدة وإضفاء نوع من الديمقراطية ومشاركة أغلبية الأعضاء في اتخاذ القرارات، إلا أنه مع ذلك استمرت قواعد القانون الدولي محتفظة بالمفاهيم والقيم القديمة.
وجميع المطالب لم تجد الآذان المصغية من الغرب الأوروبي وأمريكا، فاض الكيل من اللقاءات السنوية للجمعية العامة التي (لا تسمن ولا تغني من جوع)، ناهيك عن قطع آلاف الأميال للوصول إلى دولة المقر ومعضلة تأشيرة الدخول التي اتخذتها دولة المقر وسيلة لمنع قادة بعض الدول حتى من حق التعبير في (الهايد بارك) كما وصفها الزعيم الليبي معمر القذافي، ومشهد الجلوس على مقاعد الجمعية العامة (بالديكور)، واحتجاج الزعيم السوفييتي خروتشوف على هيمنة الغرب وقصة (الحذاء)، والمناضل تشي غيفارا الذي اقتصر خطابه في كلمتين فقط كأنه يقول (لا جدوى من الكلام).
أضف إلى ذلك الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية التي تجتاح عواصم العالم عقب كل الأحداث الكارثية مثل حرب فيتنام وأفغانستان وحروب المنطقة العربية، ويبرز (الحذاء) مرة أخرى، حذاء الصحفي العراقي الذي قذف به الرئيس بوش المنتشي فرحًا بعد حربه على العراق الذي تعرض بلده للتدمير بمبررات واهية.
لم تكن منظمة الأمم المتحدة يومًا تعبر عن مصالح المجتمع الدولي وشعوبه وتحقيق الأمن والسلم الدوليين، بل كانت أداة لفرض إرادة الدول الكبرى على باقي الدول، وتجردت قرارات مجلس الأمن من الإنسانية بإصرار الفيتو الأمريكي على استمرار الإبادة الجماعية بذريعة حق الدفاع عن النفس، وتمكين (المطرقة الأمريكية) في الشرق الأوسط من إزهاق أرواح عشرات الآلاف من البشر من جميع الأعمار.
استغاث الضحايا بالقانون الدولي والقانون الإنساني والمنظمات الدولية، لا مجيب، لأنهم ليسوا من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. هؤلاء تُركت لهم الجمعية العامة ومحكمة العدل المفقودة.
أيها القانون، يقولون عند تنفيذ الالتزام بك يُفترض حسن النية، بل وجدنا خبث النوايا والخداع، كثيرون هم ضحاياك. عذرًا أيها القانون، نحن المخطئون نطلب منك ما لا طاقة لك به، وعرض قضايانا على مؤسساتك ليس مجال اختصاصك.
لو همست في أذنه أيام الشغف بك لما أضاع أستاذ القانون الدولي زهرة شبابه بين مراجعك وأجاد اللغة الفرنسية ليحسن تفسير بنودك وعرضها في قاعات الدراسة على طلبته وطالباته، وأمام هول الفاجعة نطق الأستاذ بما يجب أن يقال (لا حاجة لتدريس مقررات القانون الدولي).
أيها القانون، هذا أستاذك نفض يديه واعتذر، ومن صنعوك وبجلوك وعظموك في أعيننا استبدلوك وأحلوا محلك قوانينهم الوطنية ليحكموا بها العالم، وستسمع قريبًا عودة صراع الإمبراطوريات الذي يحكمه قانون القوة وشريعة الغاب.
علم الأحياء يقول (البقاء للأقوى)، في حين علم الفيزياء يقول (لكل فعل رد فعل)، وفي علم الاجتماع (رد الفعل أقوى من الفعل)، فحركة التاريخ تحكمها عوامل اجتماعية ودينية وقومية. نم قرير العين أيها القانون الدولي، فالتاريخ لا نهاية له، ولن يُكتب بقلم واحد على الدوام، قد تتبدل الأقلام.
