في مجانية الصحة والتعليم

بقلم/ د. مصطفى الزائدي
إن الحق المتساوي لجميع المواطنين في الحصول على رعاية صحية مناسبة وتعليم جيد يُعد من الركائز الأساسية لحقوق الإنسان، ولا يمكن القبول بتقديم هذين الحقين بصورة متفاوتة تبعًا للمستوى المادي للأفراد. فالمساواة في الحياة، وفي المرض، وحتى في الممات، مبدأ إنساني جوهري لا يجوز التفريط به، ولا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية أو الكرامة الإنسانية في ظل تمييز صحي أو تعليمي يحكمه الدخل أو القدرة المالية أو المستوى الاجتماعي.
لقد برزت إشكالية الصحة والتعليم مع التطورات المتسارعة التي شهدتها حياة الإنسان خلال القرنين الماضيين، حيث فرضت متطلبات جديدة في الغذاء والدواء وأنماط العيش والعمل، كما نشأت أوضاع صحية واجتماعية مختلفة غيّرت أساليب الوقاية من الأمراض، ووسّعت الاعتماد على التشخيص المبكر والعلاج المتخصص، وهي وسائل أصبحت أكثر دقة وفاعلية، لكنها في الوقت نفسه أكثر كلفة، حتى باتت من ضروريات الحياة المعاصرة لا من كمالياتها.
وفي السياق ذاته، أدت التحولات الاقتصادية إلى ظهور أنماط إنتاج جديدة تطلبت مهارات متطورة تتجدد باستمرار، الأمر الذي جعل التعليم والتدريب شرطًا أساسيًا لتمكين الأفراد من الاندماج في سوق العمل، وتأمين عيش كريم لهم ولأسرهم، ولم يعد التعليم ترفًا أو امتيازًا لفئة محددة، بل أصبح حقًا أصيلًا وضرورة حياتية للجميع، حتى غدت الأمية في كثير من المجتمعات ظاهرة هامشية أو في طريقها إلى الزوال.
وبمعنى أوضح، أصبح من أولويات متطلبات الحياة الإنسانية تلقي رعاية صحية وقائية أو علاجية تتناسب مع الظروف الصحية للفرد، وبما يتوافق مع طبيعة الأمراض وخطورتها. ومن جهة أخرى، بات التعليم والتدريب المستمران عنصرين حاسمين في بناء القدرات الفردية، وإتاحة فرص العمل، وضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وقد شهد القرن الماضي تطورات دراماتيكية في مجال الرعاية الصحية، حيث تضاعف تقريبًا متوسط العمر المتوقع للإنسان مقارنة بالعصور السابقة، كما شهد توسعًا كبيرًا في التعليم بمختلف مراحله ومستوياته، وبرزت أنشطة اقتصادية لم تعد تعتمد فقط على الجهد البدني، بل تجاوزته إلى القدرات الذهنية والمعرفية. وأسهم تطور التعليم في إدخال التكنولوجيا الحديثة في مجالات الطب والاقتصاد والإدارة، ما أدى من جهة إلى تعقيد متطلبات الرعاية الصحية، ومن جهة أخرى إلى زيادة الطلب على التعليم المتخصص.
كما فرضت التحولات الاجتماعية والسياسية خلال القرنين الماضيين ضرورات جديدة، كان في مقدمتها مبدأ المساواة بين الناس. وقد ركزت الحركات الاجتماعية والسياسية المختلفة على طرح مبادرات عملية لمنع التمايز في الصحة والتعليم.
ويُحسب للبرنامج الماركسي في الاتحاد السوفيتي أنه كان من أوائل النماذج التي ضمنت رعاية صحية وتعليمًا مجانيين للجميع، عبر مؤسسات عامة تملكها وتديرها الدولة، وقد أسهم ذلك في تحسين المؤشرات الصحية، ونشر التعليم على نطاق واسع فيما عُرف بـ”دمقرطة الصحة والتعليم”.
وسارت العديد من دول العالم الثالث التي تحررت من الاستعمار على النهج ذاته، مدفوعة بما كانت تعانيه شعوبها من المرض والتخلف والجهل، فحاولت تطبيق مجانية الصحة والتعليم. إلا أن التكاليف المالية المرتفعة للخدمات الصحية والتعليمية أثرت سلبًا على قدرة الدولة على الاستمرار في تقديمها مجانًا، واستنزفت موارد ضخمة من الموازنات العامة، خاصة مع اتساع قاعدة المستفيدين، واستمرار تطور التكنولوجيا الطبية والتعليمية وما يرافقها من كلفة متزايدة.
وأمام هذه الأزمات، اتجهت الدول النامية إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في مجالي الصحة والتعليم، بهدف تخفيف العبء عن القطاع العام، غير أن ذلك أدى إلى تباين واضح في مستوى الخدمات المقدمة، حيث أصبح التمييز قائمًا بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع. فالقطاع الخاص، بحكم طبيعته، يقوم أساسًا على تحقيق الربح، وليس على تقديم الرعاية الاجتماعية، رغم ما قد يتميز به من كفاءة إدارية وانضباط في الإنفاق. في المقابل، عانى القطاع العام، إلى جانب العبء المالي، من مشكلات سوء الإدارة، والبيروقراطية، والتسيب، والإهمال.
إن هذا التناقض الظاهر بين متطلبات المساواة في الصحة والتعليم من جهة، وإشكاليات التمويل والإدارة من جهة أخرى، يستدعي بحثًا جادًا وتدقيقًا عميقًا.
والحل، في تقديري، لا يكمن في الاعتماد الكامل على أحد النظامين، العام أو الخاص، ولا حتى في الجمع بينهما على افتراض أن أحدهما يعوض قصور الآخر، بل يكمن في تبني آلية تضامنية تكافلية لتمويل الصحة والتعليم، تقوم على توفير تمويل كاف ومستدام للأعباء، وإدارة مؤسسات هذين القطاعين على أسس اقتصادية، تضمن الكفاءة والاستدامة، وتحافظ في الوقت ذاته على مبدأ العدالة والمساواة بوصفه جوهر حقوق الإنسان.
