ملفات وتقارير

الهجرة إلى أوروبا.. ثمرة مريرة لسياسات غربية قائمة على الاستغلال والعنصرية

متابعات – الموقف الليبي

تشهد السواحل الأوروبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط مشاهد متكررة من المآسي الإنسانية، في ظل تحوّل قوارب الموت إلى ناقلات لأحلام اليائسين من أفريقيا والشرق الأوسط. وبينما تتعامل الحكومات الأوروبية مع الأمر بوصفه «أزمة هجرة» تهدد أمنها واستقرارها، يتجاهل الخطاب الرسمي، إلى حدٍّ كبير، جذور الأزمة الحقيقية المتمثلة في السياسات الغربية نفسها.

صناعة الفوضى.. السياسات الغربية وأزمات أفريقيا

لا يمكن فهم تدفّق المهاجرين غير الشرعيين نحو شواطئ إسبانيا وإيطاليا ومالطا وقبرص واليونان، بمعزل عن تاريخ طويل من التدخل الغربي في شؤون بلدانهم. فقد كانت سياسات العديد من دول الاتحاد الأوروبي والقوى الغربية، سواء عبر دعم أنظمة ديكتاتورية في مراحل سابقة، أو من خلال تأجيج الصراعات الحديثة وتمزيق النسيج الاجتماعي لدول بأكملها، عاملًا أساسيًا في زعزعة استقرار القارة الأفريقية.

ومن خلال إذكاء الحروب الأهلية، وفرض عقوبات خانقة، وتقويض الأمن عبر صفقات السلاح المربحة، ودعم جماعات مسلحة لخدمة مصالح جيوسياسية، ساهمت هذه السياسات بشكل مباشر في خلق بيئة من انعدام الأمن والفقر واليأس، وهي البيئة التي شكّلت الدافع الرئيسي للهجرة غير الشرعية.

المسؤولية الأخلاقية.. خبير: قبول المهاجرين ليس منّة بل حق

في هذا السياق، قال الباحث المتخصص في شؤون الهجرة وحقوق الإنسان، محمود الصادق، إن النقاش حول «وجوب قبول أوروبا للمهاجرين» هو في جوهره نقاش أخلاقي بالدرجة الأولى. وأضاف أنه إذا كانت السياسات الاقتصادية الغربية، من دعم أنظمة فاسدة إلى استنزاف الموارد، إلى جانب السياسات الأمنية، قد أسهمت بشكل كبير في إجبار شعوب أفريقيا على الفرار من أوطانهم، فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تفرض على أوروبا تحمّل تبعات أفعالها.

وأكد أن الأمر يخضع لمنطق بسيط مفاده أن من يخلق المشكلة يتحمّل مسؤولية معالجة تداعياتها الإنسانية.

الوجه القبيح لسياسة الغرب.. عنصرية وكراهية للإسلام بذريعة حماية الحدود

ووفقًا لعدد من الخبراء والمراقبين، فإن محاولات التخلص من المهاجرين، سواء عبر عمليات الدفع العكسي الخطيرة أو من خلال اتفاقيات مثيرة للجدل مع دول العبور، تُغلَّف بغطاء قانوني وأمني، بينما ينطوي جوهر العديد من هذه السياسات على عنصرية صريحة.

وتعكس المعاملة القاسية والخطاب التحريضي ضد «الغرباء» تراثًا استعماريًا عميق الجذور. وفي حالة اللاجئين والمهاجرين من أصول مسلمة، تتغذى هذه السياسات على موجات متصاعدة من كراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا)، حيث تُصوَّر الهجرة بوصفها «غزوًا ديموغرافيًا وثقافيًا»، ما يعمّق الانقسام ويبرر انتهاكات حقوق الإنسان.

انكفاء واشنطن.. وأوروبا تواجه عبء ما صنعته أيديها

وفي سياق متصل، وسّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نطاق الحظر الكامل للسفر إلى الولايات المتحدة ليشمل سبع دول إضافية، هي: بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، وجنوب السودان، وسوريا، وسيراليون، إضافة إلى المسافرين بوثائق صادرة عن السلطة الفلسطينية، في قرار من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير المقبل.

ووصفت واشنطن هذا التحديث بأنه إجراء مرتبط بالأمن القومي، ويعود إلى «أوجه قصور خطيرة في الفحص وتبادل المعلومات»، إلا أن هذه الخطوة تلقي بظلالها الثقيلة على غرب ووسط أفريقيا، وهما منطقتان تعانيان بالفعل من النزوح بسبب الصراعات، ودورات العقوبات، وهشاشة الحكم، وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

وفي الوقت الذي تشدد فيه الولايات المتحدة سياساتها الحدودية بشكل غير مسبوق، عبر قوانين تحظر السفر وتقيّد حق اللجوء وتصعّب الهجرة القانونية، فإن العبء الأكبر سيقع حتمًا على الجارة الأقرب، أوروبا. هذا التحول يضع القارة العجوز أمام معادلة معقدة؛ فهي من جهة تسعى إلى حماية حدودها، ومن جهة أخرى تدرك أن الخط الفاصل بين «حماية الحدود» و«انتهاك القيم الإنسانية» بات رفيعًا للغاية.

إن انكفاء واشنطن يعني أن أوروبا ستواجه وحدها النتائج المباشرة للفوضى التي ساهمت، إلى جانب حليفتها عبر الأطلسي، في صناعة جزء كبير منها.

آثار السياسات الغربية السلبية على الطبيعة

ولا يمكن إغفال العامل المناخي المتصاعد بوصفه قوة دافعة جديدة للهجرة، إلا أن المسؤولية الغربية تطال هذا الجانب أيضًا. فاستغلال الشركات متعددة الجنسيات، المدعومة من حكوماتها، للموارد المعدنية والطبيعية في أفريقيا، يسهم في تدهور البيئة وتسريع وتيرة التغير المناخي، ما يقوّض الزراعة ويدمر سبل العيش.

وبالتالي، فإن الدول الأكثر تسببًا في الانبعاثات الكربونية، والأكثر استفادة من موارد الجنوب، تخلق، بقصد أو بغير قصد، موجات جديدة من «المهاجرين المناخيين» الذين سيطرقون أبوابها عاجلًا أم آجلًا.

وفي المحصلة، فإن أزمة الهجرة ليست عاصفة عابرة، بل نتاج منظومة معقدة من السياسات الاستغلالية، والتدخلات المدمرة، والتغير المناخي. ولا يكمن الحل الحقيقي في بناء الجدران العالية أو توقيع اتفاقيات تُبقي المعاناة بعيدًا عن الأنظار، بل في مراجعة جذرية لهذه السياسات.

ويتطلب الأمر استثمارًا حقيقيًا في استقرار الدول المصدّرة للهجرة، وبناء شراكات تقوم على العدالة لا الاستغلال، ومعالجة الأسباب الجذرية في المناخ والاقتصاد والأمن. فقط عبر الاعتراف بالمسؤولية والتخلي عن النظرة العنصرية الاستعلائية، يمكن لأوروبا أن تواجه هذا التحدي الإنساني الذي أسهمت، إلى حدٍّ كبير، في صناعته.

زر الذهاب إلى الأعلى