مقالات الرأي

نحو رؤية وطنية فلسطينية جديدة


محمد علوش


تواجه القضية الفلسطينية لحظة مفصلية تتقاطع فيها مقاومة الشعب داخل الأرض المحتلة مع التحولات الإقليمية وضغوط القوى الكبرى الساعية إلى إعادة تشكيل المنطقة على حساب الحقوق الوطنية، ووسط هذا المشهد، تتأكد الحاجة إلى رؤية واقعية تستند إلى النضال الشعبي باعتباره جوهر الهوية الوطنية ومصدر القوة الأصدق في مواجهة الاحتلال.
لقد أثبتت التجارب أن المقاومة الشعبية بجميع أشكالها ليست رد فعل مؤقتًا، بل مشروع تحرري راسخ يواصل امتداد نضال الفلسطينيين عبر مراحل الصراع، غير أنّ هذا المشروع يواجه تحديات متشابكة: انقسام داخلي يعطّل الطاقة الوطنية، وضغوط إقليمية ودولية تحاول تطويع القرار الفلسطيني وربطه بمعادلات أمنية واقتصادية تخدم الاحتلال.
بعد الحرب التدميرية على قطاع غزة (2023–2025) وما رافقها من حصار واستيطان وتفكك مؤسساتي، برز صمود الشعب كقاعدة ثابتة تمنح المقاومة شرعيتها، فقد أثبتت الجماهير أن حضورها في الميدان يعيد الاعتبار للمشروع الوطني، ويعزز القدرة على مواجهة منظومة الاقتلاع والتهويد.
إقليميًا، أصبحت فلسطين جزءًا من صراع على شكل المنطقة: دول تساند الحقوق الفلسطينية انطلاقًا من موقف تاريخي وأخلاقي، وأخرى تسعى إلى إدماج إسرائيل في النظام الإقليمي. هذا التناقض كشف عن معادلة واضحة: الشعوب أكثر ثباتًا من الحكومات في دعمها لفلسطين، وأي هندسة سياسية ستبقى هشّة ما دام الاحتلال قائمًا.
أما دوليًا، فتحولت فلسطين إلى ساحة اختبار في التنافس بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة، فالغرب يحاول فرض نماذج سياسية واقتصادية تهدف إلى تعطيل المشروع الوطني، وضبط المقاومة، وربط إعادة الإعمار بشروط تتجاهل جوهر الصراع: الاحتلال والاستيطان والعنصرية.
أمام هذا المشهد، تبرز أهمية التمسك بخيار النضال الشعبي باعتباره استراتيجية توحيد وطنية ووسيلة لتحصين القرار الفلسطيني من التبعية، فالمقاومة الشعبية قادرة على إشراك أوسع الفئات المجتمعية، وبناء حركة وطنية ديمقراطية تعيد الاعتبار للعامل الذاتي، وتؤسس لمواجهة طويلة الأمد.
إن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها وتجديد الشرعية الوطنية عبر الانتخابات ليست شعارات، بل ضرورة وجودية لحماية المشروع الوطني من محاولات التصفية والتطبيع، كما أن توحيد الصف الفلسطيني على قاعدة برنامج تحرري يتيح تحويل التضامن العالمي إلى قوة ضغط سياسية فعالة.
إن المطلوب اليوم خطاب وطني جديد يستند إلى القانون الدولي، ويستثمر الأدوات الدبلوماسية، لكنه لا يتنازل عن روح المقاومة الشعبية التي شكّلت تاريخيًا جوهر المشروع التحرري.
فلسطين اليوم أمام خيارين: استمرار الانقسام والارتهان، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة من البناء الوطني والتحرر تعبّر عن طموحات الشعب وتليق بتضحياته، والاختيار الثاني هو الطريق الوحيد القادر على مواجهة الاحتلال ومشاريع الهيمنة، وتحويل الصمود إلى إنجاز سياسي ملموس، فالتحرر مسار طويل، لكنه ممكن ما دام الشعب الفلسطيني ثابتًا على حقوقه ومؤمنًا بعدالة قضيته، وستظل فلسطين ساحة الصراع بين مشروع التحرر ومشاريع الهيمنة، وستبقى المقاومة الشعبية ركيزة هذا المشروع وسنده نحو الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية

زر الذهاب إلى الأعلى