حين تكتب الأرواح سيرة الوطن.. من الشهادة إلى القصيدة

بقلم/ محمود امجبر
يا قذافي موت موت
الشعب الليبي كله خوت
مات القذافي يا سادة
ياللي قلتوا نحنا خوت
آهو مات وانتوا عشتوا
ذل وجوع ورعب وموت
كل دقيقة يتم وثكل
وترميل وتدمير بيوت
كل مدينة الفتنة شكل
وتابوت يلاحق تابوت
…
عشنا وشفنا
كيف يصير المجرم ثاير
والثاير مجرم طاغوت_
بهذه الأبيات الموجعة، يفتتح الشاعر عبد الناصر الديهوم صرخته الشعرية في قصيدته “مات القذافي يا سادة”، التي جاءت كصفعة على وجه الذاكرة الجمعية، لا لتستحضر الماضي فحسب، بل لتسائل الحاضر وتستشرف المصير. القصيدة، التي أثارت جدلًا واسعًا بعد تداول صورة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في صالة استقبال الوفد الأمريكي من قبل حكومة الدبيبة، ليست رثاءً بقدر ما هي مرآة للواقع الليبي بعد سقوط النظام، حيث تحوّلت شعارات “نحن إخوة” إلى صراعات دموية، وتحول الحلم بالحرية إلى كابوس من الفوضى والتبعية.
ينطلق الديهوم من مشهد الموت، لا ليبكي، بل ليُحاكم. يسرد مشاهد الدمار والاقتتال والفتن التي أعقبت سقوط النظام، ويحمّل المسؤولية لمن نادوا بـ”موت الطاغية”، معتبرًا أن ما تلا ذلك كان أشد وطأة من الطغيان ذاته. يستحضر رموزًا من الموروث العربي ككليب والزير وجساس، ليقارنها بحال ليبيا المنقسمة، حيث الأخ يذبح أخاه، والدم لا ينضب، والثأر لا يهدأ.
وفي المقابل، حين نتأمل في معنى الشهادة، ندرك أنها ليست مجرد لحظة موت، بل لحظة ميلاد جديدة للكرامة. في حضرة الشهادة، تتوارى اللغة خجلًا، وتنكفئ البلاغة أمام قداسة الدم، وتتحول الكلمات إلى طقوس وفاء تُشيّدها الذاكرة الوطنية. الشهيد هو من آمن أن الوطن لا يُصان إلا بالتضحية، وأن الكرامة لا تُستعاد إلا حين يُقدَّم الجسد قربانًا.
لكن، ما يؤلم حقًا هو أن تتحول الشهادة إلى ذريعة للثأر، لا للبناء، وللتمزيق لا للتوحيد. وهنا، تبرز الحاجة إلى استعادة المعنى الحقيقي للشهادة: لا بوصفها نهاية، بل بداية. بداية وعيٍ جديد، ومسؤولية جماعية، ومشروع وطني لا يُقصي أحدًا، ولا يُفرّط في كرامة أحد.
إن يوم الشهيد، كما تقول الذاكرة الوطنية، ليس مناسبة بروتوكولية، بل لحظة صدق مع الذات. هو دعوة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟ وهل لا تزال دماء الشهداء تضيء لنا الطريق، أم أننا أضعنا البوصلة في زحام الشعارات؟
سلامٌ على أرواح الشهداء، وسلامٌ على كل من جعل من نفسه جسرًا تعبر عليه الأجيال نحو وطنٍ لا يُبنى بالحقد، بل بالإيمان، ولا يُصان بالخوف، بل بالحب. فلتكن ذكراهم نبراسًا، وتضحياتهم عهدًا لا يُنكث، ولتكن القصيدة صوتًا آخر من أصوات الذاكرة، تذكّرنا بأن الوطن لا يُبنى إلا حين نكفّ عن ذبح بعضنا باسم الوطن.
