الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 21

مهدي امبيرش
إن اهتمامنا بدراسة تاريخ الفكر مبعثه أولًا؛ لأننا ننظر إلى الفكر على أنه إنتاج مثل أي إنتاج فلاحي أو زراعي؛ فكل شروط الغرس والإنبات في الأخيرة يمكن أن نقابلها إلى حد كبير بإنتاج الأفكار. نحن العرب والمسلمين على وجه الخصوص نعلم أن القرآن الكريم أحدث هذه المقاربات؛ سواء وهو يمثّل للكلمة الطيبة بالشجرة، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وأنها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، مقابل تلك الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، والتمثيل في العربية مقاربة بين طرفين على وجه التجسد، كالعمل الذي يقوم به الممثل المسرحي في مقاربة تجسيدية على المسرح؛ أو تشخيصه، والتشخيص في المسرح اليوناني كان يتم بأن يضع الممثل قناعا على وجهه قريبا من الشخص الذي يمثله يسمي في اللاتينية persona، وفي القاموس الأوروبي اليوم مصطلح person، التي تترجم في العربية إلى شخص، هنا يكون التشخيص هو التجسيد.
الشجرة بهذا تشخيص للكلمة على سبيل المقاربة المدركة، كما ورد في الآية التشبيه كذلك، أي أن هذه المقاربة تجمع بين التمثيل والتشبيه معا، وقد سبق أن كتبنا أن التشبيه عقد علاقة بين طرفين: المشبه والمشبه به، وأن المقاربة معنوية، أي مقاربة لمعنى من المستحيل التعبير عنه باللغة، لأن المعنى مطلق، واللغة لا قدرة لها إلا على التعبير عن المفاهيم لا المعاني، فإذا قلنا مثلا: إن وجه الفتاة كالوردة؛ فيكون المفهوم إن لون خدها أحمر، وهو هنا حكم منطقي اقتصر على لون الحد الذي قلنا إنه أحمر. هذا بشرط أن الذي في أذهاننا أن لون الورد أحمر، مع أن هذا المفهوم القديم لم يعد مفهوما أن الورد أحمر مع ظهور الكثير من الورود بألوان عدة، إضافة إلى استخدام الأصباغ، كما أن اللون قد يكون مظهر حمى وارتفاع حرارة، ولهذا قلنا إنه منطق أحكام يحتاج إلى تحقق، أن المعنى الذي يراد مقاربته هنا هو الحمرة التي هي اسم معنى مطلق، مثال الجمال والقبح أو الكرم والبخل وهكذا.
إن هذه التي نوضحها في اللسان العربي ببساطة تقوم عليها نظريات في الاسمية وما يقابلها، وقد ذكرنا في مداخلة سابقة عند الإشارة إلى هذه الإشكالية ما ورد في محاورة كراتيلوس لأفلاطون، هو الاسم المقدس والاسم الوضعي التي وعدنا أن نتناولها مع محاورة أخرى توضح موقف أفلاطون المؤيد للمعرفة القبلية كما في محاورة مينون، وأطروحته في الجمال في محاورة فايدروس، إن هذه المشكلة لا تزال قائمة إلى اليوم في مدارس التفكير بين المثاليين والوضعين، أي أنها مشكلة من مشاكل التفكير أنتجت إشكاليات مع الفرق بين المشكلة والإشكالية، التي تنشأ عن تعدد الآراء والحلول، حتى أننا قلنا: كل الفكر فكر معاصر خلاف مقولة الإيطالي بنديتو كروتشيه الذي قال كل التاريخ تاريخ معاصر.
هنا نعود إلى البداية في تناول قوله تعالى تمثيلا وتشبيها للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وهنا تكون المقاربة من جهة الثبات أي ثبات الكلمة، وهنا تبرز الدقة اللسانية في العربية، حيث الثبات غير السكون لأن الثبات استقرار مع حركة، فالكلمة كهذه الشجرة مستقرة في أرضها وترتفع إلى السماء كما أنها تثمر وتنتج في كل مقام، وهذا ما يقوله العرب: لكل مقام مقال.
مع التذكير أن الكلمة ليست اللفظ، بل الكلمة مشيئة وخلق وإبداع، وهنا نفهم كيف أن الله خلق الكون بكلمة وأوجد عيسى عليه السلام بكلمة، إن الدراسات اللسانية التي قدمناها والتي أوضحنا فيها عبقرية اللسان العربي، وأنه بالإمكان أن تكون لنا مدرسة فلسفية متميزة بشرط أن تؤسس على منهج التفكير العربي البياني واللسان العربي، وهنا تكون الكلمة، في حين أن اللغة بأنواعها هي وسيلة العبور، وهنا نشير إلى أن الأزمة التي نعيشها في دراسة العربية وتحت تأثير المدرسة الأعجمية، أن اهتمامنا باللغة الوسيلة، ولم نفكر في منهج التفكير العربي واللسان والخريطة التي تبنى عليها الجملة، كالجملة العصبية والخلوية في الذهن، ومن ثم تكون الكلمة مسؤولية ووعيًا وإرادة، إن تناول المدرسة الإغريقية بعامة واليونانية على وجه التخصيص التي كانت ولا تزال تقود مدارس التفكير على تنوعها واختلافها، فذلك من أجل ارتباط مناهج التفكير باللاهوت القديم المتجدد إضافة إلى الخلاف الذي تم بين سقراط وأفلاطون والسفسطائيين (المتكلمين)، وأرسطو، وعلى ذكر التمثيل والتشبيه ستتناول في المداخلة القادمة نظرية المحاكاة عند أفلاطون وارتباطها بمنهج التفكير المثالي والحقيقة القبلية.
