زمن يختبر معادن الرجال ويكشف حقيقة النفوس

بقلم/ حامد الحضيري
نعيش اليوم زمنًا لم تعد فيه النوايا الخبيثة أمرًا خافيًا ولا أصبحت الأقنعة قادرة على إخفاء ما في القلوب من حقد أو غيرة أو رغبة في إسقاط الآخرين. إنه زمن تتداخل فيه السياسة بالمجتمع ويتأثر فيه الوطن بما تزرعه النفوس من خير أو شر. فما يحدث بين الناس ليس مجرد سلوك فردي عابر، بل هو مرآة لما تعيشه البلاد من اضطراب فكري وأخلاقي وسياسي.
في هذا الزمن إن رأى البعض فيك شرًّا رفعوه إلى أعلى المنابر ليصنعوا منه قضية ويتخذوه ذريعة للخصومة والتهجم.
وإن وجدوا فيك خيرًا أو موقفًا وطنيًّا أو أخلاقًا راسخة أخفوه لأن الاعتراف بفضلك يفضح تقصيرهم. وإن عجزوا عن إيجاد ما يعيبك اخترعوه دون تردد.
هذه ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل حالة سياسية خطيرة، إذا تركت دون وعي تنخر جسد الوطن وتضعف وحدته.
السياسة النظيفة لا تبنى على تشويه الناس ولا على صناعة خصوم من فراغ ولا على بث الإشاعات في القرار والمجتمع. والسياسة عندما تختلط بالأهواء تتحول إلى سلاح يستخدمه ضعاف النفوس الذين ضاقت صدورهم عن تقبل الاختلاف وصاروا يرون في كل صوت مستقل تهديدًا، وفي كل رأي حر خصومة، وفي كل نجاح دليلًا على فشلهم.
وهؤلاء هم من يعمقون الانقسام الاجتماعي ويحولون الخلاف إلى نزاع والكلمة إلى معركة والمعارضة إلى تخوين.
أما المجتمع فقد أثقلته هذه السلوكيات حتى صار بعض الناس لا يرون في الوطن إلا ساحة صراع ولا في المواقف إلا مادة للتشويه ولا في الشخصيات الوطنية إلا أهدافًا يجب أن تتعرض للطعن والحرب النفسية.
وهذه ليست طبيعة الشعب الليبي الذي عرف عبر التاريخ بالنخوة والشهامة والمروءة، وإنما هي آثار مرحلة طويلة من الاضطراب وغياب الدولة وفساد الخطاب العام.
وهنا يأتي دور الوعي، فالمجتمعات لا تنضج إلا حين تدرك أن قوتها في وحدتها، وأن كرامتها في احترام المختلف، وأن تقدمها في دعم الشرفاء لا في هدمهم.
الوطن لا ينهض عندما ينشغل أبناؤه بتضخيم عيوب بعضهم، ولا عندما يتحول الإعلام إلى ساحات تصفية حسابات، ولا عندما يصبح الكذب أسرع انتشارًا من الحقيقة، بل ينهض حين يواجه الناس هذا السلوك بحكمة ويعرفون أن بناء الدولة يبدأ من بناء النفوس، وأن تهذيب الخطاب العام جزء من معركة الإصلاح.
إن كل كلمة تشويه تطلق وكل اتهام باطل يروج وكل خصومة تصنع في الظلام هي خنجر في قلب الوطن قبل أن تكون طعنة في ظهر الفرد. ولذلك فإن الوقوف في وجه هذا العبث ليس دفاعا عن أشخاص، بل دفاعًا عن قيم المجتمع وعن احترام الحقيقة وعن الوعي الذي يمنع أصحاب النفوس المريضة من سرقة المشهد.
اليوم لا نكتب لنشكو، بل لننبه ونوقظ ونذكر بأن الوطن أكبر من خلافات الأفراد، وأن ليبيا بحاجة إلى قلوب صافية لا إلى ألسنة مسمومة، بحاجة إلى عقول تتعامل مع الواقع بصدق لا إلى أيد تعبث بالنسيج الاجتماعي، بحاجة إلى رجال يثبتون في المواقف لا إلى من يصنعون بطولات وهمية على حساب الآخرين.
إن من يختلق العيب في غيره يفضح نقصه، ومن يخفِ الخير عن غيره يكشف خوفه، ومن يحارب الناجحين يكشف ضعفه. أما من يعمل بصمت ويحافظ على مبادئه ويضع الوطن فوق كل اعتبار فهو الذي سيبقى أثره مهما حاول البعض تشويهه، لأن الحقيقة لا تطمس والضمير لا يشترى والزمن لا ينحاز إلا للثابتين.
