الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 20

مهدي امبيرش
إن كتابة في المشاريع الفكرية لمفكرين يجب أن ننظر إليها وأن نقرأها على أنها إنتاج كأي إنتاج قد يخضع تقريبًا لنفس شروط الإنتاج، إن التفكير فعل يراعى فيه شروط الفعل، من حيث إنه يخضع لمنهج التفكير، والعمليات الذهنية التي تتم في الذهن إضافة إلى الجانب الوجداني الذي يتم في القلب، حيث إن العمليات في الذهن تخضع عادة في إنتاج الأفكار إلى معطيات داخلية وخارجية، ومن ثم هناك علاقة التضايف بين الفعل والفاعل، إلى الوعي والإرادة ثم التعبير أو العبور لهذه الأفكار وشرائط الوسائل والأساليب التي يحددها الهدف أولا ثم الغاية؛ لأن الغاية هي النتيجة النهائية لعملية التفكير كلها، الفكر بهذا هو صاحب الفكر نفسه إذا كان يصدر في تفكيره ذاتيا، على أن نفهم الذات أنها ليست الأنا بل هي الأنا التي تقيم علاقة مع الأنا المقابلة أو حتى مع الأشياء حولها، وهذه العلاقة تستدعي عملية أشبه بالمقايضة، حيث يتم التنازل بين هاتين وهو الذي ينتج الذات، إذًا من هذه الجهة نفهم إلى حد كبير عمليات التفكير وارتباط هذه العمليات بعلاقات داخلية وخارجية، ومع ذلك فلا يمكن أن نقارب الفهم إلا إذا فهمنا المفكر أنه إنسان في علاقة مع مجتمعه وفي علاقة أبعد حسب درجة الوعي.
في المداخلات السابقة تحدثنا بإيجاز عن مفكرين إغريق، وذكرنا أن النسب إلى اليونان أخص من النسب إلى الإغريق، مثال ذلك: أن سقراط وأفلاطون يعتبران مفكرين يونانيين وإغريقيين، وأن المتكلمين، السوفسطائيين، الذين كانوا يعيشون في المستعمرة الإغريقية في آسيا الصغرى هم إغريق كذلك، ولكنهم ليسوا يونانيين، فاليونان تضم أثينا وإسبرطا ومقدونيا، وإن أرسطو هو إغريقي، ولكنه من مقدونيا.
إن هذا يستدعي الانتباه إلى منهج تفكير وموقف كل واحد من هؤلاء، فسقراط وأفلاطون كانا يعيشان في مدينة أثينا، حتى إن سقراط يفتخر أنه لم يخرج خارج أسوار أثينا إلا إذا كان للدفاع عنها، وسنقرأ محاورة فاديروس التي تمت مع فيداروس خارج أثينا، وهذا ما يثير انتباهنا إلى طبيعة هذه المحاورة.
سقراط وأفلاطون إذًا يمثلان نزعة استعلائية أرستقراطية وفكرهما لا يخرج عن هذه الثقافة والتوجه والموقف، وهو الذي سوف نتناوله بتقديم الأمثلة على ذلك، أما المتكلمون الإغريق في آسيا الصغرى فكانوا أقرب إلى الثقافة الزراعية، وهي التي أثرت في النظرة الطبيعية إلى الكون وإلى قصة الخلق وإلى الفعل والحركة والصيرورة والتغير والزمن، وإن ما عرف بالمدرسة الأيونية إنما يعبر عن هذا المنهج والموقف، في حين أن المدرسة الأيلية هي مدرسة الإغريق في مستعمرتهم في جنوب إيطاليا، فقد كان أفلاطون الأقرب إليها، خاصة في تمجيد الاسم على حساب الفعل والسكون على حساب الحركة.
أما أرسطو، الإغريقي المقدوني الذي عاش في أثينا أكثر من عشرين سنة تلميذًا لدى أفلاطون فهو يختلف عنه من حيث المنهج، ففي حين كان أفلاطون يرى الحقيقة مفارقة في السماء، وأن النفوس سقطت إلى الأرض فتم أسرها في الجسد، وأن السعادة لا تتم إلا بالتخلص من الجسد في نزعة صوفية عدمية متأثرة بالشامانية الهندية والأوروفية والفيثاغورثية، حتى أن أستاذه سقراط قرر أن الموت مطلب الفلاسفة، لأن النفس بالموت تتحرر من الجسد وتعود إلى السماء مجردة من المادة في صحبة الآلهة ومدركة للحقيقة اليقينية. أما أرسطو الذي فكان أبوه طبيبًا للملك فيليب والد الإسكندر الأكبر، وأنه معلم أرسطو، فكان يتخذ موقفًا وسطًا بين مثالية سقراط وأفلاطون ووضعية المتكلمين السفسطائيين المتكلمين، وهو صاحب المقولة المعروفة: الفضيلة وسط بين رذيلتين، وكأنه يريد أن يقول إن التطرف المثالي عند سقراط وأفلاطون رذيلة، وإن التطرف المادي الوضعاني عند السفسطائيين رذيلة كذلك، ومن ثم قال بإنزال الصور المثالية المفارقة في السماء إلى الأرض، ومن ثم حول المعرفة إلى قضية أحكام منطقية أن ما تم ذكره يحتاج إلى قراءة ضمن اللاهوت وفلسفة اللغة.
