هبة البلالي: ضحية الألم النفسي

بقلم/ رانيا العريبي
في ليبيا، يعيش كثيرون مأساة صامتة، محاصرين بين ألم نفسي لا يُفهم ووصمة مجتمع لا يرحم. ما زال الكثير من الناس يفسرون المرض النفسي على أنه ضعف، قلة إيمان، أو حتى خرافة، بدل أن يُنظر إليه كحالة طبية حقيقية تستدعي التشخيص والعلاج والرعاية. هذا الخلط المضلّل لا يفاقم معاناة المريض فحسب، بل يطيل رحلة الشفاء ويجعلها أكثر قسوة، إذ يُحاصَر المريض بين وصمة اجتماعية خانقة وغياب أي دعم رسمي أو مختص.
من بين هذه الحالات المأساوية، تبرز قصة هبة عوض البلالي، امرأة من درنة، رحلت عام 2023 بعد معاناة طويلة وصعبة. لم تكن هبة حالة فردية أو حادثة عابرة، بل كانت صوتًا صامتًا يصرخ بما يختبره الكثيرون من مرض نفسي ومعاناة جسدية ونفسية بلا دعم أو حماية، وصمة المجتمع تجاهلته، ولم يجد من يسمع صراخه.
اليوم، حين تُثار قصتها من جديد، تتجدد الأسئلة: هل قدمنا يد العون؟ هل رأينا فيها إنسانًا يعاني، أم تجاهلناها كما تجاهلنا غيرها حتى رحلت وحيدة؟
الصحة النفسية ليست عيبًا، ولا ضعفًا، ولا عارًا يُخفى، بل هي جزء أصيل من كيان الإنسان. أمراضها تستدعي نظرة رحيمة وعقلانية: تقدير الألم، تشخيص علمي، علاج ملائم، ورعاية كريمة كما نفعل مع أمراض الجسد. والوعي الديني أيضًا يمكن أن يكون داعمًا، إذ إن المرض النفسي جزء من الابتلاءات الإنسانية، ويجب مواجهته بالرحمة والفهم بدلًا من الربط بالخرافة أو اللجوء إلى التهميش. الإيمان لا يعني إنكار الألم، بل الاعتراف به والبحث عن علاج وشفاء، مع إدراك أن الرحمة جزء من رسالة الدين.
بناء مجتمع واعٍ يبدأ من عقولنا قبل مؤسساتنا. هو مجتمع يحترم الإنسان كقيمة، كرُوح، وكرحمة تستحق أن تُستعاد قبل أن تنكسر. يحتاج أن نتذكر كل من رحل، مثل هبة، ليس كإحصائية أو رقم، بل كإنسان كان يستحق فرصة للعيش والشفاء. مسؤوليتنا الأولى هي الإصغاء والدعم والاحتواء قبل فوات الأوان، لأن الشفاء يبدأ بالاعتراف قبل أن يكون بالتدخل.
كم من الأرواح ذهبت قبل أن يسمع صراخها؟ كم من المرضى ظلوا صامتين، محاصرين بين وصمة المجتمع وغياب الدعم، بلا ملجأ، بلا أمل في الشفاء؟ إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر رحمة وعقلانية، مجتمع لا يُخفي المرض النفسي، بل يواجهه بالعلم، والإيمان، والإنسانية معًا.
