مقالات الرأي

الرواية الفلسطينية.. قوة الحق في مواجهة زيف الاحتلال


محمد علوش


يعيش الشعب الفلسطيني منذ أكثر من قرن في قلب معركة الوجود والهوية، معركة يتجاوز فيها الصراع حدود الجغرافيا والسياسة ليصل إلى عمق السردية التي تحاول الحركة الصهيونية تكريسها عن الأرض والإنسان والتاريخ، وعلى مدى هذه السنوات، ظلّت الرواية الفلسطينية -الوطنية والإنسانية- نقيضًا أصيلًا للرواية الصهيونية، ليس لأنها تسرد وقائع مختلفة فحسب، بل لأنها تنطلق من جذور الحق والعدل والدفاع عن الإنسان في مواجهة مشروع إحلالي قائم على القوة ونفي الآخر.
الرواية الصهيونية، بما حملته من أساطير وخرافات، سعت منذ بداياتها إلى تصنيع ذاكرة بديلة تشرعن الاحتلال وتخفي جرائمه، اعتمدت على سردية استعمارية تقليدية: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، متجاهلة وجود شعب عريق متجذّر في تاريخه وبيئته وثقافته، وحاولت أن تعيد تشكيل الحقيقة بما يخدم مشروعها، وأن تفرض على العالم قراءة مزيفة لطبيعة الصراع، لكنها واجهت، وما زالت، حقائق ماثلة لا يمكن محوها: شعبًا له جذوره العميقة، وتاريخًا ممتدًّا، وحقوقًا لا تبلى.
في المقابل، تمثل الرواية الفلسطينية شهادة إنسان يعيش على هذه الأرض ويحميها، ويدافع عنها بشغاف قلبه قبل أن يدافع عنها بوسائل المقاومة المشروعة، وهي رواية لم تصنع في غرف الدعاية، ولم تكتب بمداد المصالح، بل صيغت من حياة الناس اليومية، ومن بيوت القرى المهدمة، ومن وجوه الأمهات وهنّ يودعن أبناءهنّ، ومن حكايات الجدات عن مواسم الزيتون والقمح، ومن صمود المخيمات التي تحوّلت إلى عناوين للثبات والإرادة، فالرواية الفلسطينية ليست خطابًا سياسيًا عابرًا، بل هي صوت شعب يرفض أن يقتلع أو يمحى من الوجود.
لقد راهنت الصهيونية على أن الزمن كفيل بطمس الذاكرة الفلسطينية، وأن الأجيال الجديدة ستتخلى عن حقوقها المشروعة أو تنسى جذورها، لكن العكس هو ما حدث، فكل جيل فلسطيني يأتي أكثر تمسكًا بالأرض والرواية من سابقه، وأكثر وعيًا بطبيعة المشروع الاستعماري الذي يستهدفه، وهذا الوعي الاجتماعي والسياسي المتراكم منح الرواية الفلسطينية عمقًا أكثر ثباتًا، وجعلها تتجاوز حدود الشعب الفلسطيني لتصبح رواية إنسانية يتعاطف معها العالم الحر، لأنها تعبّر عن قيم الحرية والكرامة والعدالة التي يؤمن بها البشر في كل مكان.
إن قوة الرواية الفلسطينية لا تكمن فقط في سرد الحقائق، بل في القدرة على كشف الزيف، فحين يحاول الاحتلال تبرير عدوانه تحت شعار «الدفاع عن النفس»، تظهر الحقيقة الميدانية لتؤكد أنه المحتل الذي يمارس الإبادة والتهجير والتطهير العرقي، وحين يتحدث عن «السلام»، يكشف الواقع أنه يواصل بناء المستوطنات، ويفرض الحصار، ويصادر الأرض، وحين يدّعي أنه «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، تظهر ممارساته ضد الشعب الفلسطيني لتؤكد أنه نظام احتلال قائم على الفصل العنصري، وهكذا، تتهاوى الرواية الصهيونية أمام بساطة الحقيقة الفلسطينية.
لقد أسهمت التحولات السياسية العالمية، وثورة الإعلام الحديث، وصوت الشعوب الحرة في كسر احتكار الرواية الذي امتلكته الصهيونية لعقود طويلة، وبات الفلسطيني اليوم قادرًا على أن ينقل صوته وصورته ومعاناته إلى العالم دون وسطاء، وأن يعرض روايته الإنسانية كما عاشها لا كما شوّهها الآخر، وهذه القدرة فتحت الباب أمام تضامن عالمي أخذ يتوسع ويتعمق، وبدأ يفرض أسئلة محرجة على الغرب الذي دعم الاحتلال بلا شروط.. لماذا يحاسب المظلوم ويعفى الظالم؟ ولماذا يطلب من الضحية تقديم التنازلات بينما يتصرف المحتل وكأنه فوق القانون؟
ومع ذلك، تبقى مسؤولية الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والثقافية كبيرة في ترسيخ هذه الرواية وترتيب أدواتها، فالمعركة ليست معركة عسكرية فقط، بل هي أيضًا معركة سردية بامتياز، والرواية الوطنية تحتاج باستمرار إلى تطوير خطابها، وإلى مخاطبة العالم بلغة حقوق الإنسان والقانون الدولي، دون التنازل عن الثوابت أو السماح للمحتل بفرض معاييره، كما تحتاج إلى توثيق متواصل للجرائم والانتهاكات، وإلى إبراز البعد الإنساني للصراع، حتى يدرك العالم أن الفلسطيني ليس مجرد رقم في الأخبار، بل إنسانًا يسعى إلى الحياة بكرامة.
الرواية الفلسطينية ليست ملكًا لجيل أو لحركة أو لفصيل، بل هي ملك لشعب بأكمله، وهي رواية جيل اللجوء الأول، وجيل الانتفاضتين، وجيل المقاومة المعاصرة، وجيل الشباب الذي يستخدم الكلمة والصورة والتكنولوجيا لنقل الحقيقة، وفي تكامل هذه الأجيال تتشكل ذاكرة وطنية صلبة، لا تنكسر أمام حرب الإبادة، ولا تنهزم أمام التشويه الإعلامي، ولا تنسى هدفها الأساسي بالعمل على تحقيق وانتزاع الحرية والعودة والاستقلال.
إن الصراع بين الروايتين -الفلسطينية والصهيونية- ليس صراعًا بين نسختين من التاريخ، بل هو صراع بين حق ثابت وباطل مصطنع، وبين شعب يسعى إلى حياة حرة وآمنة، ومشروع استعماري لا يعيش إلا على القوة، وما دام الحق الفلسطيني قائمًا، وما دامت الرواية الفلسطينية تروى بصدق وشجاعة، فلن ينجح أي احتلال في سرقة الحقيقة أو إحلال روايته مكانها، فالرواية التي تنبع من الألم والكرامة والإنسانية ستظل أقوى من كل سرديات الزيف مهما امتلكت من أدوات.

زر الذهاب إلى الأعلى