سلالة من طين

بقلم/ سالم أبو خزام
إن آخر ما كتبه الراحل أ. د. إبراهيم أبو خزام كان رواية “سلالة من طين”، ومع حلول الذكرى الثانية لرحيله في الـ 30 من نوفمبر، يعود إلينا حضورُه الثقيل الممزوج بالألم الذي لا ينتهي، والحزن الذي يحصد الأكباد والضلوع، ويمزق الأطراف ويشتت الذهن والذاكرة. ومع ذلك، فإننا نؤمن يقينًا أن ما حدث هو إرادة الله، وأن الموت حق مكتوب، ولكل أجل كتاب، وأن الخير كله في مقاصد رب العالمين.
كنتُ أتحدث معه ذات مساء في عمّان بالمملكة الأردنية الهاشمية حول هذه الرواية ونتبادل النقاش بشأنها؛ أماكنها ووقائعها وإسقاطاتها الكثيرة وحبكتها الصحفية. فقال لي: أرجو أن تُنشر بعد موتي، لأنها ستجسد علاقاتي وأهلي وكل محيطنا القديم الضارب في أعماق التاريخ. وقد اخترتُ رموزًا وأسماء وأشياء عايشناها، وأوردتُ تواريخ وأحداثًا ومعاناة، حكَت في فصول كثيرة التعب والشقاء، كما منحت لحياتنا شكلها وطعمها ولذتها في زمان سابق. ويضيف الراحل قائلا: لقد قرأتُ عن كل الأديان وبعمق كبير؛ الدين الإسلامي وفلسفته، الدين المسيحي، الديانة اليهودية، والكونفوشيوسية، وتعمقتُ في فلسفاتها جميعًا، وخرجتُ بقناعة واحدة: أن الله سبحانه وتعالى هو الكمال والجمال.
ويقول: الإنسان حين يلاقي وجه ربه، لابد أن يلاقيه بفرح واطمئنان، فليس هناك خوف. وأنا مطمئن، وحتمًا سألاقي كل الكمال والجمال. ثم قال مطمئنا: أما أنتم، فسيروا كما أنتم، فالحياة كفاح وغايته النجاح. كل الأبواب أمامكم مفتوحة، ولن تُخذلوا. وفي كل مكان أصدقاء وأحباب وإخوة وصداقات حقة، وكل منهم متشوق للرد بأحسن مما كان، وأنا أثق بذلك. فسلالة من طين لا تنتهي أبدًا، وكل فصل فيها روعة وبداية، فهي روايتي الوحيدة، والفصل الأخير لي كما أظن.
خمسون يوما قضيتها معه دون أن أغادره، وقد أدركت أنها الأيام الأخيرة. بين صلاة ودعاء وتسابيح وإيمان صلب، كنّا نعود بعدها إلى القراءة السياسية ونستمتع بتلك الحلقات المترابطة عالميًّا ودوليًّا وخارجيًّا وداخليًّا، مع بعض الأسرار بزركشة الراحل. وعندما تقرأ سلالة من طين وتغوص بين صفحاتها، ستجد جمال الأسلوب القصصي وقوة الحكمة لشق الطريق وبناء الهيبة وصعوبة الحياة.
لوحات جمالية تمتد فوق مساحات شاسعة من طين الأرض وعذوبة مياهها، حيث تاكراو مملكة الجد الأكبر، برجالها ونسائها ودوابها، كقطعة أرض مزروعة في مكان شاهق، وبيت كأنه قصر مترامي الأطراف فوق ربوة خضراء متفردة. بدأ مستقرا في تاكراو حيث كانت الزراعة نشاطه الأساسي، دون أن يترك دوابه ومواشيه وحتى الإبل المباركة. فجمع بخيط رفيع بين البداوة وأديم الأرض عنوانا للزراعة. عاش ردحًا طويلًا فوق الأرض الطيبة بفروسية وبطولة، وامتدت جذوره وتأصلت وصولًا إلى أولاده كنجوم متلألئة أصبحت دلالة للآخرين. ثم جاءت الرحلة الجبرية من ليبيا إلى مصر مقامًا وكفاحًا ونضالًا مستمرًّا، ساقها بطل “سلالة من طين” ليهتدي به الآخرون نحو الجهاد بالآلاف، مقدمًا بفكره الثاقب طريقة نوعية لإنقاذ الوطن المأزوم. فلا شيء يلعب دورًا سوى التعليم والفكر، مستخدمًا علم السياسة في أسمى معانيه.
وقد أكدت الرواية أننا من طين هذه الأرض، جيلًا بعد جيل، جُبلنا على الخير لهذا الوطن، وهذا ما تربينا عليه. كانت جلسة شعرت فيها بالخواتيم، فتصافحت معه المصافحة الأخيرة، وكانت ثقيلة، لكنها عالقة في ذاكرتي ولن تزول مطلقًا.
إن الروح الطاهرة التي صعدت إلى بارئها في الصباح الباكر من الخميس 30 نوفمبر 2023، كانت مشتاقة إلى طين الجبانة وترابها الحزين ليتمازج معه إلى يوم البعث. ولا أذكر اليوم إلا الرجال الأوفياء بحجم القوات المسلحة العربية الليبية الذين أحسوا معنا بحق بهذا الطين والتراب المتفرد والخالد، ليرقد فيه طيب الذكر إلى جوار أبويه وإخوته.
إن الراحل أ. د. إبراهيم أبو خزام ترك لنا إرثًا ثقيلًا أساسه الوطنية والكرامة والخلق الجميل، ورجالًا بحجم وطن يجب أن يكون زاهرًا. وقد ترك ثمانية عشر كتابًا وعنوانًا لكل مولع بالسياسة. فوداعًا أخي ومعلمي، وإلى جنات الخلد مع الصالحين والأبرار، فأنت حقًّا أمة.
