مقالات الرأي

الطرابلسي وعبود ومتلازمة شلل القرار

بقلم / عفاف الفرجاني

في الدول المستقرة التي تحكمها المؤسسات، يعكس الخطاب الرسمي مستوى النخب الحاكمة، ويقدم صورة عن عمق الدولة ورصانتها، أما في ليبيا، التي تقف على حافة الانهيار السياسي والاجتماعي، فإن بعض الوزراء يقدمون نموذجًا معاكسًا تمامًا، خطابًا مرتجلًا، لغة مبتذلة، وتبريرات تكشف فراغًا فكريًّا لدى من يُفترض أنهم يديرون مفاصل حساسة.

أوضح الأمثلة وأكثرها صدمة كان تصريح وزير الداخلية في حكومة الدبيبة منتهية الولاية، عماد الطرابلسي، عقب مقتل “الخنساء” أمام منزلها، بدل أن يقدِّم موقفًا واضحًا يطمئن الناس ويكشف عن خطة أمنية، خرج الرجل بلهجة سوقية ليقول إن الجاني كان يتتبعها «طف قتلها وهرب»، ثم ختم بجملة تلخص حالة الارتباك داخل المؤسسة الأمنية «هل نضع شرطيًّا على كل بيت؟».

هذه العبارة ليست زلة عابرة، بل مؤشرًا على عقلية تتعامل مع الأمن كقدرٍ لا كوظيفة مؤسسية، ومع الجريمة كحادث عرضي لا كخلل في منظومة الردع.. الأمن لا يُبنى على الأعذار، بل على القدرة على منع الجريمة، توقعها، وتفكيك أسبابها قبل وقوعها.

وليس الطرابلسي حالة منفردة.. في وزارة شؤون المرأة يظهر نموذج آخر لغياب المعايير، في بلد تُختطف فيه النساء وتُغيب، وفي سياق تستدعي فيه قضاياهن تشريعات واضحة ومؤسسات حماية فعّالة، ظهرت الوزيرة بخطاب أقرب إلى أحاديث الصالونات بلغة سطحية، وافتقار للرؤية، وانعدام أدوات التفكير السياسي والاجتماعي.

المفارقة المؤلمة أن هذه الوزيرة تنتمي إلى الحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد، التي لطالما قدّمت نفسها باعتبارها أكثر تماسُكًا من حيث التنظيم والكفاءات، ومع ذلك، يكشف هذا الاختيار ثغرة مؤسسية كيف تسقط حكومة توصف بأنها أكثر احترافًا في فخ تعيين مسؤول لا يمتلك الحد الأدنى لإدارة ملف حساس يمس نصف المجتمع؟

الأدهى أننا كنّا نتعامل مع هذه الشخصية عبر صور وفيديوهات واجتماعات بروتوكولية دون توقف أمام مضمون خطابها، صحيح أنها لم تحقق إنجازًا يُذكر، ولم تترك أثرًا مؤسسيًّا حقيقيًّا، لكن ما لم يكن متوقعًا هو أن يكون خلف هذا الظهور فراغ ذهني وفكري بهذا المستوى؛ من كانت تُقدَّم إعلاميًّا كواجهة «مقبولة»، تبيَّن عند أول خطاب فعلي أنها تفتقر إلى أدوات القيادة المؤسسية، ناهيك عن القدرة على صياغة سياسة عامة.

ولتتضح المفارقة أكثر، يكفي النظر إلى تجارب عربية ودولية لوزيرات أحدثن أثرًا:

من التونسية نزيهة العبيدي التي دفعت بمنظومة حماية المرأة نحو إطارٍ تشريعي متقدم، إلى الإماراتية نورة الكعبي التي نقلت حضور النساء إلى قلب المؤسسات الثقافية والدبلوماسية، وصولًا إلى تجربة مارغوت فالستروم في السويد التي جعلت «الدبلوماسية النسوية» إطارًا حقيقيًّا للسياسة الخارجية.. هذه النماذج تثبت أن المنصب الوزاري ليس ديكورًا، بل مسؤولية ورؤية، وأن الخطاب ليس أداءً لحظيًّا، بل ترجمة لعقل دولة.

ليبيا لا تتحمل مزيدًا من الارتجال، بلد ممزق أمنيًّا، مثقل بالفساد، غارق في الانقسام، يحتاج إلى وزراء يملكون وعيًا لا حضورًا شكليًّا، كفاءة لا مجاملات، لغة مؤسسات لا لغة الشارع.

أما من لا يستطيعون مخاطبة الناس بحد أدنى من الاحتراف، فهم ليسوا فقط جزءًا من الأزمة.. بل أحد أسباب استمرارها.

زر الذهاب إلى الأعلى