مقالات الرأي

التوصيف الخاطئ ينتج حلًّا خاطئًا

بقلم/ ناجي إبراهيم

تسابُق المسؤولين التنفيذيين والرقابيين على استقبال وزيارة السفراء الأجانب يبين بجلاء أن القرار المحلي يُنزع من مكانه الطبيعي إلى أماكن أخرى تقود البلاد برمتها إلى الوقوع تحت الوصاية الأجنبية، ويفتح أبواب ومنافذ تتسلل منها الإملاءات الخارجية، إضافة إلى أنه يُعد سعيًا من طرف المسؤولين لربط سياسات الدولة بسياسات خارجية قد تتعارض مع المصلحة الوطنية.

شهدت الفترة التي أعقبت سقوط النظام في ليبيا عام 2011 وانهيار مؤسسات الدولة الأمنية والسياسية نشاطًا محمومًا لسفراء بعض الدول ومخالفة فظة للمعاهدات والاتفاقات الدبلوماسية، تعكس انتهاكًا صارخًا لسيادة الدولة، وتمثلت هذا الانتهاكات والتجاوزات والخروقات في قيام هؤلاء السفراء بتجاوز حدود وأطر مهامهم التي يحددها القانون الدولي وتنظمها المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتم ذلك في أكثر من مكان، ومع أكثر من مسؤول، وطال الأمر حتى التدخل في شؤون محلية وخدمية تحت حجج وعناوين مختلفة دون أن تقابل تلك الاختراقات بأي ردود فعل من السلطات التي تتولى إدارة الشأن السياسي والأمني.

هذه التجاوزات التي تقابل بصمت وتجاهل من المسؤولين تسقط ركنًا مهمًّا وأساسيًّا من أركان الدولة، وتؤكد ما كنا نقوله ونكرره إن ليبيا باتت منذ التاريخ الذي أشرنا إليه فاقدة للسيادة وقرارها الأمني والسياسي بيد السفارات، وتم فضحه والكشف عنه من السفراء في أكثر من مناسبة، وكانت آخرها على الإطلاق وقف الحرب على مطار طرابلس عام 2014 أثناء مغادرة السفيرة الأمريكية آنذاك مقرها إلى تونس، حيث سكتت المدافع والبنادق ونامت ليلتها طرابلس في هدوء تام ما كان يتحقق إلا بفعل الأوامر الصارمة التي أصدرتها السفيرة إلى المتحاربين ليلتها حفاظًا على مرور آمن لها، وما أن عبر موكب السفيرة معبر رأس جدير حتى تجددت المعارك وعادت الحرب بعنف أكبر وأشد وأدت إلى حرق مطار طرابلس وإخراجه من الخدمة حتى هذه اللحظة، وهذا تأكيد آخر أن قرار الحرب والسلم في طرابلس وغرب ليبيا بأكمله يوجد داخل السفارات وليس في طريق الشط أو السكة، ومن يتواجد في هذين المطرحين هم عبارة عن منشفة أو فوطة تستخدمهم تلك السفارات لمسح قذارتها ونجاستها.

وتستمر وتتواصل اللقاءات التي لم تتوقف يومًا بين سفراء الدول الأجنبية وبعض المسؤولين، خاصة الذين يرأسون أجهزة مهمة في طرابلس، ومنها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وهيئة الرقابة وما يسمى بالهيئة الوطنية للانتخابات، وجميعها مفاتيح مهمة في السيطرة على السيادة، ويضاف إليها الأجهزة الأمنية التي تدار من طرف الميليشيات، متى خرجت هذه المؤسسات عن سيطرة الداخل وحتى في ظل عملية انتخابية ووصول قادة بتفويض شعبي ستبقى وستظل هذه المؤسسات خارج سلطان من اختارته الإرادة الشعبية، والعراق الغارق في أزماته الذي يعيش تجاذبات مستمرة منذ ربع قرن بين الداخل والخارج نموذج يجب أن يقرأ قبل المضي إلى انتخابات في ظل هذه الظروف والتجاذبات التي إن جرت فستجرى في ظل بلد منزوع السيادة.

إن أي بناء لا يقوم على أسس أحد أركانها السيادة وكف الأيادي الخارجية التي تحاول أن تبقي على مفاتيح إدارة المشهد الليبي بيدها سينهار قبل أن ينتهي، ويكفي أن نستفيد من تجاربنا التي كان الخارج طرفًا فيها من الصخيرات إلى جنيف وما بينهما، والتي ضيقت من الحلقات التي يلفها الخارج حول عنق ورأس القرار الوطني، وذلك من خلال إيجاد آليات قانونية وسياسية لن تنتج إلا أدوات تسير وفق أهواء ورغبات ومصالح الخارج.

البعثة الأممية ومن خلال عملها خلال الخمسة عشر عاما لم تسطع تقديم مقاربات تقود إلى حل جذري يخرج ليبيا من أزماتها، بل كانت واجهة أخرى تعبر عن السياسات الغربية خاصة المتدخلة في الشأن الليبي التي استفادت من الأزمة الليبية وتعمل على إدارتها لمصلحة هذه البلدان التي ستعمل ووفق كل ما يتاح لها على الاستثمار في الخلافات الليبية ويصورونها على أنها نزاع سياسي قد ينتهي بانتخابات رئاسية وبرلمانية، إلا أن تجربتنا مع الانتخابات بينت لنا أنها لم تصل بنا إلى حل للأزمات، بل ولدت أزمات أخرى وأنتجت أجسامًا موازية وحكومات متعددة تهدد بانقسامات ليست الدولة فقط، ولكنها قد تودي بالكيان الاجتماعي المترابط للمجتمع الليبي، يجب أن نعمل بكل جهد على منع أن تتطور المشكلات لتبلغ هذا الحد من التشظي والانقسام لخدمة المشروع الاستعماري في منطقتنا.

الانقسام المجتمعي أكثر خطرًا من الانقسام السياسي، وعليه لا يمكن أن نركن إلى ما تقدمه البعثة الدولية من آليات للحل ونترك المبادرات المحلية والوطنية بتعلة أنها لا تلقى قبولًا دوليًّا، وحتى هذا الوصف والفهم أنها دولية هو فهم خاطئ، فالبعثة لا تعبر عن المجتمع الدولي، ولكنها تعبير عن سياسات الدول التي تتحكم في القرار الدولي من خلال مجلس الأمن.

إن فهمنا هذا يحتم علينا أن نفك الارتباط بالبعثة الأممية والركون إلى إحاطاتها المكررة والمعادة التي لا تقدم إلا توصيفًا خاطئًا للأزمة الليبية على أنه نزاع سياسي، وهذا توصيف خاطئ بهدف تعميق الأزمة وتحويل أنظار الليبيين عن أسباب الأزمة الحقيقية والمتمثلة في فقدانها السيادة، واستيلاء الدول على قرارها السياسي والاقتصادي والأمني.

زر الذهاب إلى الأعلى