مقالات الرأي

حين تتحوّل الحرب إلى خيوط رقمية تنسج الفتنة في جسد الأمة

بقلم/ محمود امجبر

في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض على تخوم الجغرافيا، بل في عمق الوعي والذاكرة، تبرز الوحدة 8200 الصهيونية كأحد أخطر تجليات الحرب الحديثة. إنها ليست كتيبة تقليدية تحمل البنادق، بل جيشًا من العقول الشابة المدججة بالخوارزميات، والبرمجيات، وأدوات الذكاء الاصطناعي، مهمتها ليست القتل المباشر، بل تفكيك المجتمعات من الداخل، بصمت ودهاء.

هذه الوحدة التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية “أمان”، تُعد اليوم من أكبر وأخطر وحدات الحرب السيبرانية في العالم. تُقارن في قدراتها بوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) ومكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ). لكن ما يميزها ليس فقط حجمها، بل طبيعة مهمتها: إعادة تشكيل الوعي الجمعي للمجتمعات المستهدفة، لا سيما العربية والإسلامية، عبر أدوات رقمية متطورة.

يُنتقى أفرادها من نخبة الشباب، ممن لم يتجاوزوا العشرين، بعد اجتيازهم برامج دراسية تنافسية تُعدهم ليكونوا جنودًا في معركة لا تُرى، لكنها تُشعر وتُعاش.

تهدف الوحدة إلى: 1- ضرب النسيج الاجتماعي والثقافي، عبر حملات رقمية دقيقة، تسعى الوحدة إلى زرع الشكوك بين القبائل والعشائر والمكونات الاجتماعية، مستغلةً التوترات الكامنة لتأجيجها. تستخدم حسابات وهمية، ومحتوى مصممًا بعناية، لتغذية الانقسام وتعميق الفجوات.

2- التشكيك في العقائد والثوابت الإسلامية: لا تُطلق الوحدة رصاصة، بل تغرس فكرة. تبث رسائل تشكك في المرجعيات الدينية، وتضخم الخلافات المذهبية، وتُقدِّم محتوى يبدو بريئًا، لكنه يحمل في طياته سمًّا ناعمًا يفتك باليقين.

3. تفكيك المجتمعات وتفريق الشعوب: من خلال استهداف المدن والقرى والمناطق ذات الحساسية الاجتماعية، تُشعل الوحدة نيران النزاعات المحلية، وتُغذي الانقسامات السياسية والعرقية، لتُضعف التماسك الداخلي وتُفرّغ المجتمعات من قدرتها على المقاومة.

وما يجعل الوحدة 8200 أكثر خطورة هو استخدامها المكثف للذكاء الاصطناعي. فهي لا تكتفي بجمع البيانات، بل تُحللها، وتُصنّفها، وتُعيد توجيهها كسلاح. في إحدى العمليات، استخدمت خوارزميات متقدمة لاختيار أهداف بشرية بدقة مذهلة، ما يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة القرار، وهي ليست مجرد وحدة عسكرية، بل مشروعًا استراتيجيًّا لإعادة تشكيل الوعي العربي والإسلامي. إنها تذكير بأن المعركة اليوم تُخاض بالكلمة، بالصورة، بالمعلومة، وأن الدفاع عن الذات لم يعد يقتصر على السلاح، بل بات يشمل حماية العقول من الاختراق، والوعي من التزييف، والهوية من التآكل.

زر الذهاب إلى الأعلى