مقالات الرأي

ليبيا والبحث عن البوصلة الضائعة

بقلم/ محمد بوخروبة

يقول المثل: من يدخل الطريق بلا مرشد سيستغرق مائة عام في رحلة لا تحتاج سوى يومين، ولعل هذا القول يعكس بدقة جوهر المأساة الليبية على مدار أكثر من أربعة عشر عامًا، من المراحل الانتقالية المتعاقبة، التي لم تنجح -رغم كثرتها وتنوع شعاراتها- في إيصال البلاد إلى بر الاستقرار أو بناء مؤسسات دولة حقيقية.

فليبيا اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي، دولة تمتلك كل مقومات النهوض من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي، وشعب واع يتطلع إلى الأمن والازدهار، لكنها رغم ذلك لا تزال عالقة في حلقة مفرغة من الانسداد السياسي وتنازع السلطات وتراكم الأزمات، لقد أصبحت الأعوام تمر ثقيلة، بينما المواطن الليبي يراوح مكانه، يواصل الانتظار نفسه، ويواجه الواقع ذاته دون أن يرى بادرة أمل حقيقية تلوح في الأفق.

منذ عام 2011، دخلت ليبيا مرحلة انتقالية، غير أن هذه المرحلة لم تتوقف عند هذا الحد، بل تحولت إلى مرحلة انتقالية أخرى ثم ثالثة ثم رابعة، إلى أن أصبح الانتقال ذاته هو الحالة الدائمة، وأضحى الاستقرار هو الاستثناء.

لقد استهلكت الأجسام السياسية المتتالية سنوات طويلة من أعمار الليبيين في مشاحنات وصراعات سلطة، أكثر مما قضت في بناء السياسات العامة أو تحسين حياة الناس، وباتت تلك الأجسام، بمختلف تسمياتها وصيغها، عاجزة عن تجاوز خلافاتها، وأعادت إنتاج ذات الجمود الذي أنهك البلاد وأثقل كاهل المواطن.

إن الانسداد السياسي اليوم بلغ مداه، لم تعد الحوارات كافية، ولا المبادرات مجدية، ولا الوعود مقنعة، تآكلت الثقة العامة، وتعمقت الهوة بين المواطن والسلطة، وتحول المشهد من طموح لبناء دولة إلى صراع مقاعد ونفوذ، لا رؤية فيه ولا مشروع، ولا يكاد يحمل من السياسة سوى اسمها.

في خضم هذا التعثر المستمر، وجد المواطن الليبي نفسه محاصرًا بين غلاء معيشي خانق، وانهيار في الخدمات الأساسية، وتراجع في مستوى المعيشة، وتقلبات يومية تستنزف طاقته وصبره، لقد أصبح الليبي اليوم يواجه معاركه الخاصة في توفير احتياجاته الأساسية، كهرباء متقطعة، شح في السيولة، خدمات صحية هشة، مؤسسات مرهقة، وعبء اقتصادي يثقل كاهله دون أن يجد من يرفع عنه أو يطمئنه بأن القادم أفضل.

هكذا تحولت القضايا اليومية إلى معركة بقاء حقيقية، ولم يعد الحديث عن الإصلاح السياسي مجرد ترف فكري، بل أصبح ضرورة عاجلة لا فصل بينها وبين القدرة على العيش الكريم.

ورغم هذا المشهد المضطرب، برزت القوات المسلحة العربية الليبية وقياداتها الحكيمة، خلال السنوات الماضية كأحد أبرز عوامل التوازن والثبات، وكجدار صد حال دون انزلاق البلاد إلى فوضى شاملة، فقد اضطلعت بدورها الأمني والعسكري، في أوقات كانت فيها مؤسسات الدولة الأخرى تعاني الارتباك أو التعطل، وأسهمت بشكل ملموس في تعزيز الأمن، وتأمين المدن، وحماية الحدود، واستعادة هيبة الجيش الليبي كمؤسسة وطنية تمثل كل أبناء الوطن.

كما كان لإسهاماتها في مشروعات الإعمار وإعادة الاستقرار في المناطق المحررة أثر واضح في حياة المواطنين، حيث شعر الناس لأول مرة منذ سنوات بأن ثمة جهة تعمل على الأرض بشكل فعلي، بعيدًا عن الشعارات والوعود المؤجلة.

ولعل الدور الذي قامت به هذه المؤسسة هو ما جعل شريحة واسعة من الليبيين تعتبر أنها آخر ما تبقى للدولة من أعمدة صلبة تمنع الانهيار الكامل، وصمام أمان يمنح المجتمع قدرًا من الطمأنينة وسط العواصف السياسية المتلاحقة.

بعد أعوام من التجارب المريرة، بات المزاج الشعبي في ليبيا واضحًا، الليبيون يريدون انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي المرحلة الانتقالية وتعيد الشرعية إلى مؤسسات الدولة، لقد قال الشعب كلمته اليوم وقالها مرارًا في استطلاعات الرأي والحوارات والمظاهرات وحتى على وسائل التواصل الاجتماعي، فالليبي اليوم لم يعد يبحث عن أسماء أو تحالفات، بل يريد منظومة حكم مستقرة وفاعلة تقوده إلى المستقبل.

لقد تعب الناس من الانتظار، ومن المبادرات التي تنتهي إلى مبادرات أخرى، ومن الاتفاقات التي تستولد أزمات جديدة بدلًا من أن تحل القديمة، إن الرغبة الشعبية في الانتخابات ليست مجرد مطلب سياسي، بل صرخة بلد يريد أن يبدأ من جديد، وأن يعيد ترتيب بيته الداخلي، وأن يستعيد ثقته في ذاته وفي مؤسساته.

إن ليبيا اليوم لا تحتاج مائة عام أخرى لتصل إلى ما تستطيع الوصول إليه في سنوات قليلة، ما تحتاجه حقًّا هو بوصلة واضحة، وإرادة وطنية صادقة، ومؤسسات موحدة، وقيادة سياسية تعرف أن الدولة تبنى بالفعل لا بالشعارات.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن بقاء الوضع على ما هو عليه لم يعد خيارًا، وأن استمرار المرحلة الانتقالية يعني المزيد من التآكل والانقسام، وأن إجراء الانتخابات الشاملة، وفق إطار دستوري واضح وضمانات أمنية راسخة، هو الطريق الأقرب لإنقاذ البلاد من الدوران في الحلقة ذاتها.

ويبقى الأمل معلقًا على وعي الليبيين، وعلى قدرة مؤسساتهم الوطنية المدنية والعسكرية، في أن تتجاوز الخلافات وتضع ليبيا فوق الجميع، لتبدأ رحلة بناء الدولة التي طال انتظارها، تلك الرحلة التي لا تحتاج مائة عام، بل تحتاج فقط إلى مرشد صادق وإرادة جامعة.

زر الذهاب إلى الأعلى