مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 19

بقلم/ مهدي امبيرش

في المداخلة السابقة، وضمن الكشف عن خصائص منهج التفكير العربي واللسان العربي، ومن خلال المقارنة مع مدرسة أثينا المتمثلة في سقراط وأفلاطون، التي هي غير مدرسة المتكلمين (السفسطائيين)، أو المتكلمين الذين كانوا يعيشون في آسيا الصغرى وهم أحفاد الطبيعيين الأوائل من طاليس أنباذواقليس، الذين كانوا بحكم أنهم مرتبطون بالأرض ينزعون منزعًا طبيعيًّا سواء في اعتقادهم بالموجودات الطبيعية أو دورة الزمن من خلال الفصول والحركة، ومن ثم يعطون أهمية للفعل واللفظ، خلاف سقراط وأفلاطون اللذين كانا يعيشان في أثينا، المدينة، حيث يمكن أن نفرق من خلال الدراسة (الأنثروبولوجيا)، بين نمط الحياة في الطبيعة ونمط الحياة في المدينة، حيث ينتصر سقراط وأفلاطون للاسم مقابل الفعل، والسكون مقابل الحركة، والتجريد مقابل الامتلاء، بل يمكن أن نكشف -من خلال ذلك- الفرق بين المدرسة الأيونيّة التي هي طبيعية، والمدرسة الايلية التي أسسها المهاجرون الإغريق في جنوب إيطاليا.

هنا يمكن أن يظهر بوضوح الذي سبق أن ذكرناه حول الثنائية في اللاهوت القديم المتجدد، في ارتباط سقراط وأفلاطون بالسماء والسفسطائيين بالأرض، كما نفهم سر الخلاف بين النزعة الاستعلائية الأرستقراطية عند أفلاطون والديموقراطية عند المتكلمين، والدور الذي لعبه أرسطو، ليس في إنكار المفارق والقبل في السماء ولا المتجسد والعيني على الأرض، بل وخدمة لمشروع تلميذه الإسكندر ورغبة الأخير في دولة عالمية، تختلف عن دولة المدينة التي كان أفلاطون ينافح عنها، هنا يكون أرسطو قد تبنى موقف الوسط بين سقراط وأفلاطون والمتكلمين، بعد أن أنزل مُثل أفلاطون المفارقة في السماء أن الحقيقة القبلية والمعرفة القابلة للتعلم التي قال بها السفسطائيون فكان أن أنزل المثل الأفلاطونية إلى الأرض وبدل الصور المفارقة في السماء قال بها في الأرض وبدل الحقيقة المطلقة تحدث عن المتحقق في الأرض، ولأن مشروعه مشروع دولة وحكومة، فقد انتصر للقضايا المنطقية بحجة أن الصور المفارقة أو المطلق لا يصلح أن يكون قضية قابلة للتحقق والحكم المنطقي عليها، وبذلك يكون أرغانون أرسطو هو منهج التفكير المنطقي والصوري، كذلك سوف نجد الفرنسي ديكارت يعارضه في كتابه الأرغانون الجديد، ليس في إنكار الحقيقة المدركة وإنما في جعل الصور ممتلئة،أي صور واقعية، وبذلك يؤسس للوضعانية الفرنسية السائدة اليوم. هنا تبرز المشكلة في الأساس مشكلة معرفية سبق أن ذكرنا أنها تكشف عن قلق الإنسان عن وجوده بإدراكه أنه محدود، والتي قلنا إنها أزمة آدم وزوجه في محاولة امتلاك المطلق والملك الذي لا يبلى.

مشكلة أفلاطون إذًا هي نفس المشكلة تقريبًا، بل تتكرر حتى اليوم، فأفلاطون يرى أن النفوس كانت في السماء ولها أجنحة تطير بها صحبة موكب الآلهة، ومن ثم كانت تطلع على الحقيقة، إلا أن أجنحتها ضعفت فسقطت على الأرض وصارت أسيرة الجسد، ومن ثم فإن الخلاص لا يتم إلا بعودة النفوس إلى السماء، وذلك بالتخلص من الجسد الذي يعد كارثة أو سجنًا مظلمًا رمزًا للجهل، كما عبر عنه في أمثولة الكهف، وتأثر بخرافة صعود زرادشت إلى السماء على حيوان خرافي بين البغل والحصان، ابتدع أفلاطون الجدل الصاعد والجدل الهابط حيث ينطلق من البديهيّات والمسلمات في رحلة معراجية إلى السماء وفي كل مرحلة تتحرر النفس من الجسد والثقل إلى أن تصير نفسًا خالصة قادرة على الاتصالبالنفس الكلية.

هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين منهج تفكير أفلاطون والشامانية الهندية، التي تقول إن الجسد كارثة وإن الحركة والفعل يوصلان إلى عذاب الكارما والسمسارة، وإن توقف الصيرورة والتغير سبب الألم والوصول إلى اللافعل هو الذي يوصل إلى الانطفاء الكامل أو النرفانة، التي نجدها عند أفلاطون في (اليودايمونيا) أي العدمية، وبلغة أخرى الموت الحكمي الذي نجده في لغة المتصوفة بالفناء والتخلص من الجسد والاتصال بالحضرة الإلهية كما في أمثولة (الحضرة) عند من يوصفون بالصوفيين، وهي أمثولة لا تذهب بعيدًا عن أمثولة أفلاطون في الكهف حيث الحلقة، هي أكمل الأشكال الهندسية حسب فيثاغورث الذي انتصر للأعداد المجردة والذي تحول إلى زعيم لحركة باطنية، نراها بوضوح فيما عرف بالفيثاغورثية الجديدة، كما أن الحركات التي نراها فيما يسمى بالحضرة أي الوصول إلى الحضرة الإلهية من الجذب أوإيهام العوام بالمشي على النار والمسامير كما في الشامانية الهندية هي رمز إلى احتقار الجسد وصولًا إلى التطهير، حيث نفهم التطهير في اللغة المتصوفة بدءًا من الشامانيين ومرورًا بسقراط وأفلاطون حتى اليوم إنما تتفق على أن الجسد ملوث ولا بد أن تتطهر الروح منه، وهذا نفسه مايقودونا في فلسفة اللسان إلى لغة الأعداد المجردة والمعرفة القبلية في مواجهة المادة والحركة التي نجدها حتى اليوم في الخلاف بين النزعة المثالية والنزعة المادية وفي اللغة الانتصار للاسم والمعنى، في مقابل الفعل والحركة.

زر الذهاب إلى الأعلى