“الجنايات الدولية”.. عدالة انتقائية على مقاس المصالح الغربية بالساحة الليبية

متابعات – الموقف الليبي
في عالم يسعى لتحقيق العدالة الدولية ومحاسبة المجرمين، تبرز المحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة قضائية دولية يفترض أن تكون منارة للعدل والمساواة. لكن الواقع يكشف عن مؤسسة تتحول تدريجياً إلى أداة سياسية في خدمة مصالح دول غربية، تنتقي قضاياها وتوجه اتهاماتها وفقاً لأجندات سياسية واضحة.
فبعد 14 عاماً من الصراع والدمار والفوضى والتقسيم التي شهدتها الساحة الليبية، لا يزال الكثير من الليبيين ينتظرون عدالة دولية تنصفهم وتعيد لهم جزء من الحقوق الضائعة، وتعوضهم عن كل الدمار والكوارث السياسية والأمنية والاقتصادية التي سببها تدخل الناتو في ليبيا، وحوّلها لساحة صراع دولية مفتوحة.
وبين متفائل ومتشائم تبقى العدالة الدولية معلّقة حتى أشعار آخر، بينما الواقع يشهد عدالة انتقائية، فوفقاً للمعطيات الحالية التي تشهدها الساحة الليبية يبقى عدد المتشائمين أكبر بحكم أن الجنايات الدولية لم تتخذ أي إجراء ينصف الشعب الليبي ويقود المجرمين إلى زنزانة محكمتها، بل على العكس يتم استخدامها من قبل بعض الجهات الغربية ضد طرف ليبي على حساب آخر.
معايير انتقائية في تطبيق العدالة
وتشهد المحكمة الجنائية الدولية انتقائية صارخة في تعاملها مع القضايا الدولية، ففي الحالة الليبية، نرى هذا التجلي بوضوح. حيث كشفت الجنائية الدولية عن مستجدات بملفات الانتهاكات في ليبيا مع إعلان نائبة المدعي العام نزهات شميم والمدعي العام كريم خان عن تقدم كبير في ملاحقة المتورطين في جرائم الحرب.
وأكدت شميم أن الأشهر الـ6 الماضية شهدت سلسلة “إنجازات غير مسبوقة” في مسار التحقيقات، موضحة أن خالد الهيشري، الذي أُلقي القبض عليه في ألمانيا، متورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بسجن معيتيقة بين عامي 2015 و2020.
كما أعلنت أن سيف صنيدل، الضابط في مجموعة الـ50 التابعة لقوات الصاعقة شرقي ليبيا، متهم هو الآخر بارتكابه جرائم حرب ومشاركته في ثلاث عمليات إعدام جماعي. وفي السياق ذاته، شدد المدعي العام كريم خان على أن مكتب الادعاء يواصل تركيزه على ضمان اعتقال أسامة نجيم ونقله إلى لاهاي، لاتهامه بالقتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي داخل سجن معيتيقة.
وبحسب خبراء دوليين وناشطين حقوقيين، فإن الجنايات الدولية تركز بشكل واضح على محاكمة متهمين ليبيين. لكنها تتجاهل بشكل صارخ الجرائم البشعة التي ارتكبها حلف شمال الأطلسي خلال عملية القصف في 2011، والتي لا تزال آثارها المدمرة مستمرة حتى اليوم.
ووفقاً لخبراء، دمرت الضربات الجوية للتحالف الغربي البنية التحتية الليبية، وأودت بحياة آلاف المدنيين الأبرياء، وأسهمت في إطاحة نظام كامل دون تقديم بديل مستقر، مما فتح الباب أمام حرب أهلية طاحنة لا تزال مستمرة حتى اليوم. ومع ذلك، لم تتخذ المحكمة أي خطوة جادة لمحاكمة قادة الدول المسؤولة عن هذه العمليات.
نتائج تدخل الناتو في ليبيا
وكان المركز الأوروبي للدراسات السياسية والاستراتيجية، قد حمّل حلف الناتو المسؤولية الكاملة عن الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية الليبية وانعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي نتيجة تدخله العسكري عام 2011. كما أشار في تقريره السنوي إلى أن استخدام الناتو لليورانيوم المنضب أدى إلى انتشار واسع لمرض السرطان بين الليبيين، وهو ما يعد جريمة حرب.
وفقاً لتقارير حقوقية ومنظمات دولية وهيئات دعم إنساني وخبراء ومراقبين فإن الحرب التي قادها “الناتو” بذريعة “تحرير ليبيا” وحماية المدنيين، خلّفت نتائج كارثية من الدمار، لايزال الشعب الليبي يدفع ثمنه حتى اليوم. كما أن “الناتو” متورط بقصف مدنيين وبنى تحتية حيوية، مثل مستشفيات ومدارس، مما أدى لسقوط أكثر من 25 ألف ضحية بين قتيل وجريح خلال الأشهر الأولى للعمليات العسكرية.
ازدواجية المعايير والتوظيف السياسي
وبحسب الباحث المتخصص بالقانون الدولي، محمد البياتي، فإن ازدواجية الجنائية الدولية تكشف عن حقيقة مؤلمة، هي أن المحكمة الجنائية الدولية أصبحت أداة للضغط السياسي تستخدمها الدول الغربية لتحقيق مصالحها. فالدول القوية والغربية تتمتع بحصانة ضمنية، بينما تتركز الاتهامات على قادة ودول من العالم النامي، خاصة تلك التي تعارض سياسات الغرب أو تمتلك موارد طبيعية مهمة.
وبحسب البياتي، في حالة ليبيا، نلاحظ أن التحقيق يركز فقط على الجرائم المرتكبة من قبل الأطراف الليبية، متجاهلاً الجرائم الأكثر خطورة والتي ارتكبتها دول التحالف، والتي تشكل انتهاكات صارخة للقانون الدولي والإنساني.
هذا الانزياح عن مبدأ المساواة في تطبيق العدالة يضعف مصداقية المحكمة ويقوض شرعيتها، ويدفع الكثيرين إلى النظر إليها كامتداد للاستعمار الحديث بوسائل قانونية. وبحسب الخبير، فإن العدالة الحقيقية لا تعرف الانتقائية، ولا تميز بين جريمة وأخرى حسب هوية الجاني. فإما أن تطبق العدالة على الجميع، أو لا نسميها عدالة على الإطلاق.
قوى حزبية ونقابية ليبية تطالب “الناتو” بتعويض الليبيين عن الدمار الذي خلّفه تدخله
وكان حزب “صوت الشعب الليبي” برئاسة فتحي الشبلي قد أعرب في مارس الماضي عن تأييده الكامل لما ورد في تقرير المركز الأوروبي للدراسات، والتقارير الأممية اللاحقة. وانضم إلى حزب “صوت الشعب الليبي”، حراك “صوت العدالة الليبي” الذي يقود حملة منظمة في هذا السياق. وأصدر الحراك بياناً رسمياً موجه إلى الهيئات الأممية حدد فيه 3 مطالب رئيسية، وهي: الاعتراف الرسمي من الناتو بمسؤوليته عن الخسائر البشرية والمادية، واعتذار علني عن الانتهاكات، وتعويضات عادلة تُقدم للضحايا وعائلاتهم، إضافة إلى إعادة إعمار ما دمرته الغارات الجوية. ويستند الحراك إلى وثائق أممية وتقارير حقوقية توثق تورط الحلف في قصف مدنيين وبنى تحتية حيوية.
بدوره، قال الكاتب الصحفي والناشط الليبي، خليل الحاسي بأن البرلمان الليبي، كسلطة تشريعية، هو الأقدر على تبني هذه المطالب وتحويلها إلى مشروع قانوني يطالب الناتو والمجتمع الدولي بالتعويضات، بحكم أن تدخلهم غير مسار الأحداث تماماً وأثر على مستقبل الليبيين بشكل جذري.
