حين يلتقي الوطن عند بوابة واحدة.. ليبيا تتجه نحو حلٍّ سريع تحت مظلة القيادة العامة

بقلم/ فرج بوخروبة
في مرحلة دقيقة تمرُّ بها ليبيا، حيث تتنازع حكومتان الشرعية وتتصارع القوى السياسية والعسكرية على النفوذ، وتعيش مؤسسات الدولة حالة إنهاك غير مسبوقة، برزت زيارة وفود المشايخ والأعيان من مختلف المدن الليبية إلى مقر القيادة العامة للمشير خليفة حفتر كمشهد استثنائي يطرح أسئلة كبيرة حول شكل المرحلة المقبلة. لم يكن مشهد هذا التوافد الواسع مجرد اجتماع بروتوكولي أو مناسبة عابرة، بل بدا وكأنه تحوّل اجتماعي وسياسي يعبّر عن رغبة شريحة واسعة من الليبيين في البحث عن نقطة ارتكاز، وأن القيادة العامة قد تكون الجهة الأكثر قدرة على توفير هذا الاستقرار السريع في ظل حالة التشظي.
لقد حملت الزيارة في طياتها رسائل ذات دلالات متعددة، خصوصًا أنها جمعت ممثلين من مدن ومناطق لطالما كانت تختلف أو تتباين في مواقفها. حضور وفد مصراتة كان من أبرز محطات الحدث، فالمدينة التي عُرفت بتأثيرها العسكري والسياسي، التي ارتبط اسمها بمواقف معقدة خلال السنوات الماضية، أرسلت عددًا من مشايخها وأعيانها ليعلنوا بطريقة واضحة أن جزءًا من مصراتة يرى أن استمرار الخصومة لم يعد يجدي، وأن ليبيا بحاجة إلى استقرار سريع لا يمكن تحقيقه دون مؤسسة عسكرية قادرة على ضبط إيقاع الدولة. ورغم أن هناك أصواتًا في مصراتة لا تزال متمسكة بمواقف تقليدية أو رافضة لأي تقارب مع القيادة العامة، فإن الحضور الذي ظهر في هذه الزيارة يشير إلى أن المدينة لم تعد كتلة واحدة، وأن تيارًا وطنيًا داخلها بدأ ينظر إلى المشهد بقدر أكبر من البراغماتية السياسية.
أما بني وليد، المدينة التي تُعرف بنهجها الحذر وابتعادها عن الاصطفافات الحادة، فقدّمت نفسها من خلال وفد كبير كان حضوره هادئًا لكنه بالغ الدلالة. فبني وليد لم ترسل بيانًا سياسيًا، ولم ترفع شعارات أو تُطلق تصريحات صاخبة، بل اكتفت بالحضور، وهو في حد ذاته تعبير عن موقف واضح: دعم الاستقرار، مع الحفاظ على مسافة من التجاذبات. هذا الحضور يعكس رغبة المدينة في أن تكون جزءًا من الحل، وألا تُترك خارج معادلة إعادة بناء الدولة، حتى وإن ظل داخلها من يفضلون التريّث أو التمسك بالحياد التقليدي.
وجاء حضور الزنتان متوقعًا؛ فالمدينة التي لعبت دورًا مركزيًا في عدة مفاصل من تاريخ ليبيا الحديث تُعرف بقربها من المؤسسة العسكرية ورؤيتها لها كضمانة لوحدة البلاد. مشاركة وفد الزنتان في اللقاء لم تكن مجرد تأكيد على موقف، بل إعادة رسم لدورها في المرحلة المقبلة، خصوصًا أن المدينة تدرك أن استمرار الانقسام لا يخدم مصالحها ولا مصالح البلاد. وفي الوقت نفسه، يبقى هناك في الزنتان من يعتقد بضرورة الموازنة بين السلطة العسكرية والشرعية المدنية، لكن الغلبة في المزاج العام تميل إلى تأييد دور القيادة العامة.
وفي الجنوب، حمل وفد سبها رسائل لا تقل أهمية، فالجنوب الذي يشعر منذ سنوات أنه خارج حسابات السلطة المركزية، أراد من خلال هذه الزيارة أن يذكّر الجميع بأنه جزء أصيل من النسيج الوطني، وأنه لن يسمح بأن يبقى مجرد منطقة مهمشة أو ساحة نفوذ متنازع عليها. مشاركة سبها لم تكن مجرد حضور رمزي، بل تأكيد على أن الجنوب يريد أن يشارك في أي مشروع وطني، وأنه مستعد للانخراط في مسار يقود إلى استقرار الدولة إذا وجد شريكًا قادرًا على فرض الأمن وتنظيم المشهد.
أما الغرب الليبي، ولا سيما الشريط الساحلي الممتد من صبراتة إلى صرمان والجميل والعجيلات ورقدالين، ناهيك عن قبائل باطن الجبل، فقد كان حضوره لافتًا أيضًا، إذ حملت الوفود القادمة من هذه المدن خطابًا واضحًا في دعم القيادة العامة، معتبرة أن المؤسسة العسكرية تمثل عنصر توازن ضروري في منطقة لطالما كانت ساحة لتقلبات سياسية وأمنية. ورغم وجود مجموعات داخل هذه المدن تتحفظ أو تخشى من تغليب الحلول العسكرية على المدنية، فإن المشاركة الشعبية التي ظهرت توحي بأن المزاج الاجتماعي بدأ يميل نحو البحث عن جهة قادرة على توفير الأمن أولًا، ثم الحديث عن الحلول السياسية لاحقًا.
وفي الزاوية الغربية، حيث المشهد الاجتماعي والسياسي معقد ومتعدد التيارات، قدّم الحضور الممثل للمدينة إشارة مهمة على أن داخل الزاوية أطرافًا ترى أن البلاد وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها استمرار الانقسام ممكنًا، وأن القيادة العامة يمكن أن تكون ركيزة انتقال سريع نحو حالة من الاستقرار النسبي، حتى وإن بقيت أطراف أخرى في المدينة متمسكة برفضها التقليدي لهذا المسار. هذا التباين لا ينتقص من قيمة المشاركة، بل يعكس ديناميكية مجتمعية تتشكل وفق حاجة الناس إلى الأمن أكثر من ارتباطهم بالتحالفات القديمة.
إن اجتماع كل هذه الوفود تحت سقف واحد يشير إلى حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها: القيادة العامة أصبحت نقطة تقاطع للعديد من القوى الاجتماعية في ليبيا، ليس لأنها القوة الوحيدة على الأرض، بل لأنها الجهة التي تمكنت من تقديم صورة واضحة عن قدرتها على فرض الاستقرار وقطع الطريق على الفوضى. التفاف المناطق هذا حولها يكشف وجود قناعة متنامية بأن الحل لا بد أن يبدأ من جهة تملك أدوات التنفيذ وليس من مؤسسات سياسية غارقة في الصراع.
ورغم أن هناك أطرافًا سياسية وعسكرية وحتى خارجية تسعى لإبقاء ليبيا في حالة انقسام لأنها تستفيد منه، فإن الزخم الاجتماعي الذي ظهر في هذه الزيارة يشير إلى أن المجتمع الليبي بدأ يفرض نفسه لاعبًا أساسيًا في تحديد المرحلة المقبلة، وأن المحاولات المستمرة لتعطيل أي تقارب لم تعد قادرة على كبح الحراك الشعبي الذي يبحث عن حل عملي وليس نظريًا.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو القيادة العامة أمام فرصة تاريخية لترجمة هذا الالتفاف إلى مشروع وطني حقيقي، لا يعتمد على القوة وحدها، بل على بناء جسور مع القوى الاجتماعية والشخصيات المدنية، وتحويل الدعم إلى رؤية تُعيد للدولة قوتها وهيبتها. وإذا نجحت المؤسسة العسكرية في استثمار هذه اللحظة، فقد تكون ليبيا أمام بداية مرحلة جديدة يعاد فيها ترتيب أولويات الدولة، وتُرسم فيها معادلة جديدة تقوم على وحدة القرار ووضوح المسار.
لقد أظهر الليبيون، من مصراتة إلى الزاوية، ومن الزنتان إلى بني وليد، ومن الجنوب إلى الساحل الغربي والوسط وبرقة، أنهم مستعدون للالتفاف حول مشروع يعيد للوطن تماسكه. وهم لا يريدون أكثر من دولة قادرة، مستقرة، واحدة، لا تُستنزف في خلافات سياسية لا تنتهي. ويبقى الرهان الآن على قدرة القيادة العامة على تحويل هذا الحضور الاجتماعي الواسع إلى خطوة عملية تُنهي زمن الانقسام وتفتح الطريق نحو ليبيا آمنة وموحدة.
