مقالات الرأي

البعثة طرفٌ في الأزمة

بقلم/ ناجي إبراهيم

كلما اقترب الليبيون من الحل خطوة أبعدتهم التدخلات الخارجية عنه خطوات، وفي كل مطلع نهار يتبين لنا أن الأزمة في ليبيا ليست سياسية، وأن الخارج لا يسعى إلى وضع حد للأزمات المتوالدة والمستنسخة، بل يقوم بتدويرها خدمة لمصالحه في ليبيا والمنطقة التي يجري تفكيكها منذ العام 2011 لتركيبها بما يتماشى مع النظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكل بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، ومنطقتنا العربية وجنوب المتوسط هي قلب الصراع وفي هذا التحول الجيوسياسي الجديد، والذي يجري تحت عناوين تخفي الغايات والرغبات الحقيقية، إلا أن بعض السياسات وسلوك بعض الدول يكشف ويفضح النوايا التي تضمرها والمخططات التي يجري تنفيذها.

ليبيا وما تمثله من موقع مهم يقابل دول شمال المتوسط وبوابة مهمة على أفريقيا وحلقة وصل بين شمال غرب أفريقيا وغرب آسيا، هذا من الناحية الجيوسياسية وما تمثله من ثروات نفطية وغاز يضعها في قلب عاصفة التحولات التي يشهدها العالم ما بعد القطبية الأحادية وولادة عالم متعدد الأقطاب.

لا يمكن أن نفصل ما يحدث في ليبيا عن الأحداث في كل العالم من كشمير الهندية إلى محاولات غزو فنزويلا، وعن الصراع الدائر في السودان والمدابح التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وتمدد الأطماع الصهيونية شرقًا في اتجاه الفرات وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يتماشى مع الأحلام الصهيونية الثورية.

العالم مقدم من جديد على إعادة رسم خرائطه وفقًا لمصالح الدول الاستعمارية وفي موجة جديدة تشبه إلى حد كبير الأوضاع التي كانت قبل الحرب العالمية الثانية، ولن يكون في هذه الأحداث دور كبير للأمم المتحدة، التي خرجت من رحم حرب عالمية دامية لترسي الأمن والسلام الذي لم تحققه يومًا منذ إعلان سان فرانسيسكو، بل غطت وزرعت حروبًا عديدة، ووفرت لها غطاءً وشرعية وصفت بالدولية.

ويبدو أنه حان الوقت ليكشف الغرب الاستعماري عن وجهه القبيح الذي حاول أن يخفيه خلف المبنى الزجاجي للأمم المتحدة في نيويورك، الذي تحول إلى وكر للمؤامرات ومطبخ لإدارة الحروب والنزاعات في العالم وبوابة يدخل منها إلى بلدان ما كان له أن يدخلها بأثوابه القديمة التي تخلى عنها على أعتاب الأمم المتحدة التي يعيد حياكتها وترقيعها من جديد ليكشف مرة أخرى عن وجهه الحقيقي الذي كان يواريه خلف ما يسميه قرارات الشرعية الدولية تارة، وباسم حقوق الإنسان تارة أخرى، وصندوق النقد الدولي في أغلب الأحيان، واليوم يدخل لنا من باب حل النزاعات وبعناوين الشرعية الدولية من خلال مبعوثين يرتدون رداءها.

ما كشفت عنه نائب الأمين العام أو ممثلته في ليبيا في الأيام الماضية عن توقيع اتفاق مع ممثل الحكومة القطرية لدعم الحوار الليبي، الليبي، يكشف ما كانت تخفيه البعثة منذ تشكيلها ويفضح حجم التدخلات الدولية والإقليمية في النزاع الذي ترعاه هذه البعثة، التي باتت النافذة والباب الخلفي للتدخل الخارجي في شأن محلي ممكن أن ينتهي في لقاء يجمع الليبيين بعيدًا عن التدخل الخارجي.

بالإضافة إلى أن هذا الدعم المعلن والصريح فضح النوايا الخبيثة للبعثة، وكشف لليبيين أن البعثة لا تسعى إلى إيجاد حل جدري للأزمة، بل هي تديرها خدمة للدول المتدخلة في الشأن الليبي، التي نجحت في إقناع شريحة واسعة من الشعب الليبي، خاصة الطامحين في تولي مناصب إدارية تمكنهم من استغلال المال العام لخدمة مصالحهم الخاصة والشخصية بأن الأزمة في ليبيا هي أزمة سياسية تنهيها حوارات هنا وهناك، وتحلها حكومة منتخبة وموحدة وتراعي المحاصصات القبلية والجغرافية، وذلك غير صحيح، فالأزمة في ليبيا أكبر من هكذا، وأكثر تعقيدًا لوجود أيادٍ خارجية استفادت من إطالة عمرها وتبذل جهودًا لإدامتها.

أشبعتنا البعثة حوارات حتى جف مداد حبرها وهي تخط العناوين الخادعة والبراقة التي تشبه غوايات الشيطان التي أخرجت آدم من الجنة، من حوار التوافق، والوفاق، والوحدة، والقاعدة الدستورية، وأخيرًا أوجدوا لنا عنوانًا جديدًا بتمويل قطري تحت مسمى الحوار المهيكل، وسيقطع من وقتنا شهورًا أو سنوات، وسيفضي أو يولد حوارًا آخر وبعنوان آخر، ربما بمداد مختلف هذه المرة وتمويل متبرع أكثر سخاءً من قطر.

لا أحد يوقفهم عن الاستمرار في هذا الماراثون الذي لا نهاية له إلا خروجنا نحن منه والاعتماد على قدراتنا واختيار الساحة التي ننظم فيها ماراثوننا ومقاطعة البعثة وطي صفحتها وشطب جميع العناوين التي تدور بنا في نفس الدائرة وتبقينا في نفس العلبة، غير ذلك فإن أوضاعنا ستطول وأزماتنا ستتضاعف والحبل سيضيق حول رقابنا وستكون الأثمان التي سندفعها للخروج باهظة جدًا بالمقارنة بالأثمان الحالية التي لن تكلفنا إلا التنازل عن مصالحنا الخاصة من أجل ليبيا.

نعلم أن البعض، بحسن نية، يعتقد أن البعثة لا تدير ليبيا، بل هي تساعد الليبيين على إيجاد حلول للخروج من أزماتهم، ولكن القرارات الكبيرة والتاريخية لا تُبنى على حسن النوايا التي كشفت عنها البعثة في أكثر من مناسبة، وكانت العملية الأخيرة بموافقتها على التمويل القطري لحوار ليبي ليبي هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وعرت النوايا الأممية، وبينت أنها تدير الملف الليبي بالوكالة عن أطراف دولية وإقليمية لها مصلحة في مخرجات أي حوار، ولذلك فإن البعثة صارت طرفًا في الأزمة ولا تصلح أن تكون طرفًا في الحل.

زر الذهاب إلى الأعلى