ملفات وتقارير

بعد موافقة مجلس الأمن خطة ترامب في غزة سلام معلب أم وصاية معلنة؟


تحليل – سيد العبيدي


اعتمد مجلس الأمن الدولي، فجر الثلاثاء، خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بقطاع غزة، بعد إقرار مشروع قرار قدّمته الولايات المتحدة يدعم مبادرة “ترامب للسلام” في القطاع. حظي مشروع القرار بتأييد 13 دولة، بينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت دون اللجوء إلى حق النقض “الفيتو”.
إلى ذلك أخذت “الخطة الأمريكية” طريقها إلى التنفيذ، لتضع المقاومة الفلسطينية والاحتلال أمام واقع مختلف في شكله، لكن مضمونه بقي على حاله، إذ إن الخطة مؤقتة، ولا تضمن تسوية شاملة تناسب نتائج الحرب، وترهن إعادة إعمار غزة وانسحاب القوات الصهيونية بالكامل من القطاع، بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
ورغم أن الخطة التي صدرت في 29 سبتمبر الماضي، وتحوي عشرين نقطة، من شأنها تخفيف الأعباء على الشعب الفلسطيني بما يساعده على البقاء في قطاع غزة، منهيا مسعى التهجير الكامل الذي قصدته الحكومة نتنياهو، ومع أنها فتحت الطريق من الناحية النظرية لإقامة “دولة فلسطينية”، فهي بمنزلة “فرض وصاية” على غزة، بسبب استبعاد أهلها من الإدارة، وفصل القطاع عن الضفة الغربية، ومحاولة تجريد المقاومة من سلاحها دون ضمانات قوية بعدم عودة الحرب تحت أي ذرائع.
ترامب: القرار تجاوز الهدنة الهشة


ويُعد قرار مجلس الأمن إنجازًا دبلوماسيًا هائلًا للرئيس ترامب وفريقه، وخاصةً صهره جاريد كوشنر، والمبعوث ستيف ويتكوف، وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز، حيث قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن إقرار مجلس الأمن الدولي قرارا صاغته الولايات المتحدة يهدف إلى تجاوز الهدنة الهشة في قطاع غزة إلى سلام أكثر استدامة وإعادة إعمار القطاع المدمر يعتبر “لحظة تاريخية”.
وذكر ترامب، عبر منصته “تروث سوشيال”: “تهانينا للعالم على التصويت الرائع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أقرّ وأيد مجلس السلام، الذي سأرأسه، والذي يضمّ أقوى القادة وأكثرهم احترامًا في جميع أنحاء العالم”.
وأضاف: “سيخلد هذا القرار كواحد من القرارات التي نالت أكبر الموافقات في تاريخ الأمم المتحدة، وسيؤدي إلى مزيد من السلام في جميع أنحاء العالم، وهو لحظة تاريخية بحق”. وذكر أنه “سيتم الإعلان عن أعضاء مجلس الإدارة والعديد من الإعلانات المثيرة للاهتمام في الأسابيع المقبلة”.
موقف روسيا والصين
ولم يكن اعتراض روسيا والصين مجرد تحفظ تقني على صياغة أو بند، بل انتقادًا مباشرًا للفلسفة الكاملة التي يقوم عليها القرار: تغييب حل الدولتين، تهميش السلطة الفلسطينية، واستدعاء نموذج “الانتداب” بطرق حديثة. وهي ملاحظات لا يمكن القفز فوقها، لأنها تلامس جوهر الخطر الكامن في المشروع: تفكيك الارتباط الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة، وخلق إدارة خارجية تُمنح تفويضًا واسعًا دون ضمانات سيادية للفلسطينيين.
قال المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا في كلمته أمام مجلس الأمن إن موسكو “لا تستطيع ببساطة دعم القرار”، موضحًا أن روسيا أصرت على أن يكون لمجلس الأمن دور واضح في الرقابة على وقف إطلاق النار في غزة، وهو ما لم يتضمنه النص.
وأضاف أن الصيغة المعتمدة “لا تتسق مع مبدأ دولتين لشعبين” كما ورد في إعلان نيويورك، مشيرًا إلى افتقار القرار لأي إطار زمني لنقل السيطرة على غزة إلى السلطة الفلسطينية. كما لفت إلى غياب اليقين بشأن “مجلس السلام” المقترح وقوة الاستقرار الدولية، محذرًا من أن تمرير القرار بصيغته الحالية قد يؤدي إلى تكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
أما المندوب الصيني فأكد أن مشروع القرار الأمريكي يكتنفه “غموض كبير”، معربًا عن “قلق بالغ” إزاء ما تضمنه من ترتيبات للحكم في غزة بعد الحرب، رغم أن “فلسطين تبدو غير مرئية فيه بشكل كامل”، على حد تعبيره. وشدد على أن السيادة والملكية الفلسطينية “لا تنعكسان بوضوح” في القرار، وأن النص فشل في التأكيد الصريح على الالتزام الراسخ بحل الدولتين باعتباره يمثل الإجماع الدولي القائم.
انقسام فلسطيني حول القرار
وفي الداخل الفلسطيني، انقسم الموقف بين سلطة ترى في القرار نافذة ضيقة لإعادة التموضع السياسي، وفصائل مقاومة تعتبره مساسًا مباشرًا بمكانتها، ومحاولة فجة لنزع سلاحها تحت مسمى “قوة الاستقرار الدولية”. وبين هذين الموقفين تتبدى الحقيقة الأكثر وضوحًا: لا إجماع فلسطينيًا يسمح بمرور المشروع دون مقاومة سياسية وربما ميدانية.
أما الاحتلال، الذي امتنع عن الاحتفال بالقرار، فيدرك أن الخطة الأمريكية تحمل بنودًا ثقيلة يمكن أن تفرض عليها لأول مرة مسارًا لا تتحكم كليًا بتفاصيله، من ترتيبات الانسحاب إلى ملفات الإعمار والدولة الفلسطينية. ولهذا ارتفعت أصوات داخلها تحذّر من “صفقة إقليمية” تُعاد هندستها على حساب أمنها.
السلطة الفلسطينية ترحب
من جهتها رحبت السلطة الوطنية الفلسطينية، الثلاثاء، باعتماد مجلس الأمن الدولي، مشروع القرار الأمريكي بشأن غزة، الذي يؤكد تثبيت وقف إطلاق النار الدائم والشامل في القطاع. وأكدت ضرورة تطبيق القرار على الأرض، بما يضمن عودة الحياة الطبيعية، وحماية شعبنا في قطاع غزة ومنع التهجير، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال وإعادة الإعمار ووقف تقويض حل الدولتين، ومنع الضم”.
وأبدت السلطة الفلسطينية “استعدادها الكامل للتعاون مع الإدارة الأمريكية، وأعضاء مجلس الأمن، والدول العربية والإسلامية، والاتحاد الأوروبي وأعضائه، والأمم المتحدة، وجميع الأطراف، من أجل تنفيذ القرار بما يؤدي إلى إنهاء المعاناة وتنفيذ حل الدولتين.
وجددت السلطة الوطنية الفلسطينية “التأكيد على جاهزيتها لتحمل كامل مسؤولياتها في قطاع غزة، في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، باعتبار القطاع جزءا لا يتجزأ من دولة فلسطين”.
المقاومة: آلية لتحقيق أهداف الاحتلال
مقابل ذلك، انتقدت فصائل المقاومة الفلسطينية قرار مجلس الأمن الدولي بشأن غزة. وقالت إن القرار “يفرض آلية وصاية دولية على قطاع غزة، كما يفرض آلية لتحقيق أهداف الاحتلال التي فشل في تحقيقها عبر حرب الإبادة الوحشية، وينزع قطاع غزة عن باقي الجغرافيا الفلسطينية ويحاول فرض وقائع جديدة”.
وأضافت أن تكليف القوة الدولية بمهام وأدوار داخل قطاع غزة منها نزع سلاح المقاومة ينزع عن تلك القوة الدولية صفة الحيادية ويحوّلها لطرف في الصراع لصالح الاحتلال.
في حين قالت حركة الجهاد الإسلامي إن القرار يفصل القطاع عن باقي الأراضي الفلسطينية ويفرض وقائع جديدة تناقض ثوابت الشعب الفلسطيني، مشيرة إلى “حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال يكفله القانون الدولي ويشكل سلاح المقاومة ضمانة لهذا الحق”.
أما حركة المبادرة فقالت إن “قرار مجلس الأمن حافل بالألغام الخطرة ولا يلبي الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويتناقض معها، ويفرض وصاية أجنبية مرفوضة على قطاع غزة”.
وصاية دولية على غزة
في المحصلة، لا يقدّم القرار 2803 وصفة سلام بقدر ما يفتح بوابة جديدة للصراع على من يملك حق رسم مستقبل غزة. فالقضية ليست وقف إطلاق النار فحسب، بل من يكتب قواعد ما بعده، ومن يملك قرار الأمن، ومن يحدد مصير السلاح، ومن يرسم حدود السيادة. ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن لأي ترتيبات دولية أن تستقر فوق أرض أنهكتها الحرب دون أن تستند إلى إرادة الفلسطينيين أنفسهم؟، حيث يرى مراقبون أن الخطة الأمريكية التي تبنّاها القرار، هي أقرب إلى مشروع وصاية جديدة منه إلى إطار سلام حقيقي. إذ تمنح الهيئات الدولية المقترحة صلاحيات واسعة تتجاوز الإعمار والإشراف الفني إلى إدارة الحكم، وتنظيم المعابر، وضبط الأمن، بل والتدخل في مسألة السلاح، وهو ما يعني فعليًا تهميش القرار الفلسطيني حتى حدوده الدنيا.
كما يقول المراقبون إن الخطة الأمريكية التي أقرها مجلس الأمن الدولي تحتاج إلى شريك فلسطيني حر، ومشروع سيادي واضح، وبدون ذلك سيبقى “اليوم التالي” مجرد عنوان جميل لواقع شديد القسوة، وستظل غزة ساحة تُطبَّق عليها الوصفات الدولية أكثر مما تُحترم فيها حقوق أصحابها.
بنود القرار الأمريكي
تضمن القرار رقم 2803 مجموعة من البنود التي تقدم تصورًا شاملًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، بدءًا من إنشاء “مجلس السلام” كهيئة انتقالية لإعادة الإعمار، وصولًا إلى نشر قوة استقرار دولية مؤقتة بصلاحيات إدارية واسعة، مع التأكيد -بصياغة قانونية مُضافة- على ضرورة التزام المجلس بالقانون الدولي في جميع أنشطته. كما ربط القرار بين إصلاح السلطة الفلسطينية وإعادة إعمار القطاع وبين تهيئة الظروف اللازمة لإطلاق مسار سياسي يقود إلى تقرير المصير.
وشدد القرار على ضرورة تسهيل دخول المساعدات الإنسانية بالتنسيق مع مجلس السلام، ومنح هذا المجلس والدول المشاركة صلاحيات دولية لإنشاء كيانات تشغيلية تتولى إدارة الحكم والموارد والمعابر.
ودعا المجلس البنك الدولي إلى إنشاء صندوق مخصص لإعادة إعمار غزة، على أن يكون جزءًا من منظومة الدعم الدولي لإعادة الاستقرار.
كما نص القرار على تشكيل قوة استقرار دولية بصلاحيات واسعة تشمل نزع السلاح، وحماية المدنيين، وتدريب الشرطة الفلسطينية، وتأمين الممرات الإنسانية، على أن يتم الانسحاب التدريجي للقوات الصهيونية وفق جدول زمني متفق عليه.
وأوضح القرار أن ولاية “مجلس السلام” والقوة الدولية تنتهي في 31 ديسمبر 2027 ما لم يقرر مجلس الأمن التمديد، مع إلزام الجهات المعنية بتقديم تقارير دورية كل ستة أشهر حول سير التنفيذ.
ردود الفعل الصهيونية
من جهته أعرب مجرم الحرب بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني، الثلاثاء، عن دعمه لقرار مجلس الأمن الدولي، موجها التهنئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه الذي وصفه بـ”الدؤوب والمتفاني”. وأشار نتنياهو إلى أن مجلس الأمن “أيد بالكامل” خطة الرئيس الأمريكي المكونة من 20 نقطة، بما في ذلك إنشاء “مجلس السلام” برئاسة ترامب، معتبرا أن الخطة “من شأنها تحقيق السلام والازدهار بفضل إصرارها على نزع السلاح الكامل من غزة والقضاء على التطرف”.
وأضاف رئيس الوزراء أن الخطة ستعزز اندماج الكيان في المنطقة وتوسع اتفاقيات إبراهيم، مؤكدا أن “القيادة الريادية لترامب ستجلب السلام والازدهار، وتؤسس لتحالف دائم مع الولايات المتحدة”.
في المقابل، اعتبر أفيغدور ليبرمان أن الحكومة فشلت في إدارة الملف، وأن القرار يمهّد لدولة فلسطينية وصفقة إقليمية تضر بأمن الاحتلال. أما سفير الكيان لدى الأمم المتحدة داني دانون، فشدّد على أن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هو جوهر القرار، مؤكدًا أنه لا مستقبل لغزة من وجهة نظر الصهاينة طالما بقي السلاح في يد المقاومة.
التأثير المتوقع على تنفيذ القرار
ونظريًا، يوفر القرار إطارًا لوقف إطلاق النار، وتدفق المساعدات، وتمهيدًا لمسار سياسي محدود نحو الدولة الفلسطينية، لكن عمليًا، سيواجه تحديات معقدة، أبرزها رفض الفصائل التام لنزع السلاح، تحفظات الاحتلال على بعض بنود القرار المتعلقة بالدولة الفلسطينية، مخاوف دولية من تحويل القوة الدولية إلى طرف مقاتل، فجوة بين رؤية الفلسطينيين ورؤية واشنطن حول إدارة غزة.
وبينما يسوّق القرار كخطوة نحو التهدئة، فإن تطبيقه على الأرض سيظل رهين توازنات القوى، ومواقف الفاعلين المحليين والدوليين، وقد يتحول من “خطة سلام” إلى ساحة صراع سياسية جديدة ما لم يتأسس على ضمان حقوق الفلسطينيين وسيادتهم الفعلية.

زر الذهاب إلى الأعلى