مقالات الرأي

ليبيا ليست حقل تجارب… والسيادة تُصان ولا تُدار بالتمويلات الخارجية

بقلم: فرج الشقار

تتحرك البعثة الأممية في ليبيا منذ سنوات في مسار يتباعد تدريجياً عن التفويض الممنوح لها، حتى تحوّل وجودها إلى عنصر مؤثر في تشكيل المشهد السياسي من خارج مؤسسات الدولة. ويتضح هذا الانحراف في سعيها إلى بناء تفاهمات مالية وسياسية مع أطراف أجنبية متجاوزةً الحدود الواضحة لعملها ومقتضيات الحياد.

الاتفاق الذي جرى توقيعه  بتاريخ 17 نوفمبر 2025 بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ودولة قطر، تحت عنوان “دعم الحوار السياسي وتعزيز المشاركة المدنية”، أثار موجة واسعة من التساؤلات. فالمساس بالشأن السياسي داخل ليبيا عبر تمويل خارجي يعكس اختلالاً عميقاً في منهجية العمل الأممي، خصوصاً أن ليبيا تُسدد اشتراكاتها السنوية للأمم المتحدة حتى وان كان هنالك تأخير. وهذا يجعل البحث عن تمويل من دولة أخرى أمراً غامضاً، ويفتح الباب لتصورات متعددة حول إدارة الموارد ووجهتها.

خصوصا أن الجهة التي قدّمت هذا الدعم تمتلك سجلاً ثقيلاً في الملف الليبي منذ أحداث عام 2011، حيث شاركت قطر في التدخل العسكري وأسهمت في تغذية الانقسام الداخلي عبر المال والسلاح والدعم السياسي. ومن الطبيعي أن يثير دخولها اليوم عبر بوابة تمويل الحوار السياسي مخاوف حقيقية حول مدى صدقية أي مسار يتشارك معها في التمويل والتأثير.

جزء واسع من المجتمع الليبي يحمّل قطر تبعات ما تعرضت له البلاد من انهيار سياسي وأمني بعد تدخلها إلى جانب دول الناتو. وهذا الإرث يزرع شكوكا عميقة حول نواياها، ويجعل حضورها في مشاريع البعثة خطوة تعبّر عن توجه خطير يمنح دولة أجنبية فرصة جديدة للتغلغل في الشأن الداخلي.

تمويل اللقاءات والبرامج السياسية من خارج ليبيا يُحوّل العملية برمتها إلى مسار قابل للتوجيه. فالمموّل قادر على التأثير في أولويات العمل وأجنداته، مما يجعل النتائج انعكاساً لإرادة خارجية لا لإرادة الليبيين. وتكرار الحديث عن “خارطة الطريق” و“توسيع المشاركة المدنية” يظل بلا معنى عندما تُموّل هذه المسارات من أطراف خارجية ترتبط بمصالح واضحة ومواقف غير محايدة.

إن الليبيين يريدون مساراً سياسياً يستمد قوته من الداخل، لا من الدعم المالي القادم من الخارج. وأي دور إيجابي تسعى الأمم المتحدة إلى القيام به يجب أن يبدأ بإعادة بناء الثقة، والالتزام بمبدأ الشفافية، والعودة إلى العمل عبر قنوات المنظمة الأممية فقط دون الانخراط في شراكات مالية ذات طابع سياسي.

ليبيا قادرة على صياغة حوارها الوطني، وإدارة خلافاتها، وتحديد مستقبلها متى توافرت إرادة وطنية صادقة وتوقفت التدخلات التي تعيد تشكيل المشهد تحت واجهات براقة. وما تحتاجه البلاد اليوم يتمثل في مساحة سياسية نظيفة من التمويل الخارجي، ومسار يستجيب لإرادة المجتمع الليبي وحده.

الحرية للوطن… والسيادة للشعب.

زر الذهاب إلى الأعلى