مقالات الرأي

الدَّين العام.. مرآة الفوضى وعبء الإنفاق غير المبرر

بقلم/ عثمان الدعيكي

دخلت ليبيا مرحلة مالية معقدة وغير مسبوقة بعد أحداث 2011، إذ تحولت من دولة تملك فوائض مالية واحتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي إلى بلد يرزح تحت وطأة دَين عام متضخم، تتوارثه الحكومات المتعاقبة دون رؤية اقتصادية واضحة. بعد أن كانت من بين الدول القليلة التي لا تعاني عبء الديون، إذ لم يكن الدين الداخلي يتجاوز حدود ثلاثة مليارات دينار، بينما كانت الاحتياطيات النقدية تفوق 120 مليار دولار، وتكاد الديون الخارجية تكون معدومة تمامًا. آنذاك كانت المالية العامة تُدار وفق تشريعات مالية وضعت ضوابط صارمة للاقتراض والصرف، وربط الإنفاق العام بالإيرادات النفطية بما يضمن تحقيق التوازن المالي. كما كانت الرقابة المالية فعالة من خلال وزارة المالية ومصرف ليبيا المركزي، وهو ما مكَّن الدولة من تمويل مشروعات تنموية واستراتيجية دون اللجوء إلى الاقتراض أو طباعة النقود.

غير أن هذا الانضباط المالي سرعان ما انهار بعد فبراير 2011، حينما دخلت البلاد في دوامة من الفوضى السياسية والانقسام المؤسسي، فغابت الرقابة وتعددت مراكز القرار، وبدأ الإنفاق الحكومي يتضخم بشكل غير مسبوق، فالحكومات التي تشكلت بعد الأحداث، من المجلس الانتقالي إلى حكومات الإنقاذ والوفاق والوحدة الوطنية، أنفقت مئات المليارات دون خطط مالية واضحة أو موازنات معتمدة، بل تم الصرف في كثير من الأحيان خارج الإطار القانوني للدولة. ووفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، ارتفع الدين العام الداخلي من نحو خمسة مليارات دينار في عام 2011 إلى أكثر من 160 مليار دينار بنهاية عام 2024، أي بزيادة تجاوزت ثلاثين ضعفًا خلال ثلاثة عشر عامًا فقط.

هذا التفاقم الهائل في حجم الدين لم يكن نتيجة استثمارات إنتاجية أو مشروعات تنموية، بل جاء في معظمه بسبب تضخم بند المرتبات والدعم السلعي، وتمويل أجسام موازية وميليشيات خارجة عن القانون، فضلًا عن تغطية العجز الناتج عن الانخفاض الحاد في إيرادات النفط. وبحسب التقديرات، فقد تراجعت قيمة الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 60% خلال الفترة من 2011 إلى 2024، بسبب تذبذب الإنتاج النفطي وعدم الاستقرار الأمني والسياسي، ما جعل البلاد من أكثر الاقتصادات هشاشة في المنطقة.

وفي محاولة لمعالجة الأزمة المالية التي تفاقمت بعد 2018، لجأت السلطات النقدية إلى فرض رسم مرتفع على بيع النقد الأجنبي، وصل في بدايته إلى نحو 183%، في خطوة وُصفت بأنها تهدف إلى تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، وتغطية جزء من الدين العام المتراكم. وقد ساهم هذا الإجراء مؤقتًا في توحيد سعر الصرف وتخفيف الضغط على الاحتياطيات، لكنه مثّل في الوقت نفسه عبئًا إضافيًا على المواطن الليبي، إذ أدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة بأكثر من 45% خلال عام واحد فقط. وتشير التقديرات إلى أن الإيرادات المتحصلة من هذا الرسم تجاوزت 40 مليار دينار خلال الفترة من 2018 إلى 2023، خُصص جزء كبير منها لسداد التزامات الدين العام، ما يعني أن المواطن الليبي هو من تحمل فعليًا كلفة السياسات المالية الخاطئة للحكومات المتعاقبة.

ولا يمكن تناول مسألة الدين العام بمعزل عن الفساد المالي والإداري الذي استشرى في مفاصل الدولة بعد 2011. فقد أظهرت تقارير ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وجود تجاوزات بمليارات الدينارات سنويًا، سواء في العقود الحكومية أم في الصرف على أجسام موازية. ففي عام 2022 وحده، سجل ديوان المحاسبة مخالفات وتجاوزات مالية بقيمة 7.8 مليار دينار، أي ما يعادل قرابة 10% من إجمالي الإنفاق العام لذلك العام، وهو رقم يعكس حجم الهدر الذي ساهم بشكل مباشر في تضخم الدين العام.

ولفهم عمق الأزمة الليبية، يمكن مقارنتها ببعض الدول النفطية المشابهة من حيث الموارد. ففي الجزائر مثلًا، لا تتجاوز نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 53%، بينما تبلغ في السعودية نحو 25% رغم الإنفاق الضخم على مشروعات التنمية. أما في ليبيا، فقد تجاوزت النسبة 150% وفق تقديرات غير رسمية لعام 2024، وهو مستوى خطير يجعلها من أكثر دول المنطقة مديونية قياسًا بحجم اقتصادها، خصوصًا أن أغلب هذا الدين داخلي وغير منتج.

ومع تعاقب الحكومات وغياب سياسة مالية موحدة، استمرت الدولة في تمويل نفقاتها بالعجز عبر الاقتراض الداخلي أو طباعة النقد، في ظل انقسام المؤسسات المالية وتعدد مراكز الصرف، ما أدى إلى تآكل الثقة بالعملة المحلية وتراجع القوة الشرائية للمواطن. وقد أضحت معالجة الدين العام ضرورة وطنية عاجلة، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إصلاحات جذرية تبدأ بتوحيد المؤسسات الاقتصادية، وإصدار قانون شامل لإدارة الدين العام يحدد سقف الاقتراض وآليات السداد، مع وقف نزيف الإنفاق غير المبرر وترشيد الدعم والمرتبات.

إن تجربة ليبيا مع الدين العام خلال السنوات الماضية تكشف بوضوح أن الأزمة ليست مالية بقدر ما هي أزمة حوكمة وإدارة. فالدولة التي كانت قبل 2011 بلا ديون تقريبًا، تمتلك فوائض مالية ضخمة واستقرارًا نقديًا، وجدت نفسها بعد عقد من الفوضى غارقة في ديون تفوق قدرتها على السداد، ومواطنوها يتحملون عبر الرسوم وغلاء الأسعار ثمن السياسات الخاطئة والفساد المستشري. وبينما تسعى بعض الحكومات اليوم إلى تحسين الإيرادات أو إعادة هيكلة الدين، يبقى الإصلاح الحقيقي مرهونًا بعودة الانضباط المالي وإرساء الشفافية والمساءلة، حتى تستعيد ليبيا مكانتها كدولة مستقرة ماليًا وقادرة على توجيه مواردها نحو التنمية لا نحو سداد أخطاء الماضي.

زر الذهاب إلى الأعلى