مقالات الرأي

زلزال سياسي في نيويورك

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية زلزالًا سياسيًا غير مسبوق، تمثل في فوز السياسي المسلم زهران ممداني، المنحدر من أصول هندية وإفريقية، بمنصب عمدة مدينة نيويورك، كبرى المدن الأمريكية وأكثرها تأثيرًا في الاقتصاد والإعلام والسياسة. هذا الفوز التاريخي يُعد الأول من نوعه لشخصية مسلمة بهذه الخلفية الاجتماعية والعرقية، ما جعله محطة تحول كبيرة في الوعي السياسي الأمريكي الذي ظل لعقود أسيرًا لهيمنة النخب التقليدية. ويُنظر لهذا الانتصار على أنه صفعة موجعة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي سبق أن هدّد ممداني خلال حملاته المثيرة للجدل بسحب جنسيته الأمريكية وطرده خارج البلاد، في تجلٍ واضح لخطابه العنصري المتطرف. وجاء ردّ ممداني بعد إعلان النتائج قويًا وحاسمًا، مؤكدًا أن المدينة التي أسهمت في صناعة نفوذ ترامب السياسي قبل سنوات، تُعيد اليوم رسم المشهد بإقصاء خطابه الإقصائي لصالح قيم التعدد والإنصاف.

وتتعمق المفاجأة السياسية في قدرة ممداني على تجاوز نفوذ الرأسماليين الكبار في نيويورك، وفي مقدمتهم إيلون ماسك الذي ظل يدعم ترامب ويسعى إلى عرقلة صعود المرشح المسلم. وعلى الرغم من كل الضغوط، تمسّك ممداني بهويته الإسلامية وفكره الاشتراكي، معلنًا عزمه الدفاع عن الطبقات الكادحة، ووضع حد لتنامي الفجوة الاجتماعية وتهرب أصحاب رؤوس الأموال من الضرائب. المرشح البالغ من العمر 43 عامًا، تمكّن من الفوز بأغلبية واضحة على العمدة السابق من الحزب ذاته، في نتيجة لم تشهدها المدينة منذ أكثر من نصف قرن. وقد أطلق نجاحه موجة من الابتهاج والأمل بين السكان، الذين ينتظرون تسلّمه مهامه رسميًا في الأول من يناير القادم، وهو موعد يمنحه الوقت الكافي لترتيب أولوياته ووضع خطط إصلاحه قيد التنفيذ.

إن فوز زهران قد يغير من فهم أمريكا لنفسها من جديد، ويجبرها على إعادة قراءة قيمها الديمقراطية بعيدًا عن الخطاب العنصري وصناعة الكراهية. ويرى مراقبون أن فوز ممداني سيخلط أوراق السياسة الأمريكية، خصوصًا مع مواقفه الجريئة الرافضة للعدوان الأمريكي الدائم على غزة، وإصراره على أن تعود الولايات المتحدة إلى المبادئ الدستورية التي تُجرّم العنصرية وتدعم حق الشعوب في الحرية. ويعتقد هؤلاء أن هذه اللحظة قد تكون بداية لتغيير أوسع في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، مع تعزيز ثقافة المحاسبة ومراجعة إرث الإدارات السابقة وفي مقدمتها إدارة ترامب. إنها لحظة فارقة في تاريخ نيويورك السياسي، وربما بداية استعادة أمريكا لشيء من ضميرها الأخلاقي المفقود منذ سنوات.

زر الذهاب إلى الأعلى