حديث الطرشان

بقلم/ سالم أبو خزام
زيارة أولى: كانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد طلبت من مندوبها أهمية إجراء لقاء مع فعاليات وأبناء فزان، بقصد أن يتولى معرفة أهم المشكلات وأبرزها، حتى يتفهمها، على أن يتولى علاجها في الإطار العام الليبي، ويبدو أن ذلك عادة روتينية، لكن وقد جاءت فزان في المؤخرة فذلك لا يهم، لأنها من مناطق الربع الخالي!
بالطبع كانت الجماهير في غاية السرور، لأن شخصية مهمة أولت فزان اهتمامها، وقد حطّت طائرته بسبها وتحلّقت الناس من حوله، واصطحبوها إلى جامعة سبها حيث مكان اللقاء الذي خُصّص، ودرجت العادة على الترحيب به، وقد كان، واتضح منذ البداية أن المبعوث الخاص في عجلة من أمره لأسباب كثيرة! وقد خصّص المبعوث من وقته الثمين زهاء (الأربع دقائق) فقط لكل متحدث ليسرد ما بدا له!
(أربع دقائق) فقط بالتمام والكمال ليضع كل متحدث الحقائق أمام المبعوث الأممي بكل تفاصيلها، وعلى الأخير تسجيلها في مذكرته الشخصية ويتفاعل معها لاحقًا إن شاء!
قلت أنا، إن هذه الأربع دقائق بصدق كافية لفهم مشاكلنا من القتال والسطو والسرقات وغياب مراكز الشرطة وانتشار سيارات “الفيرنا” المظلمة وفوهات البنادق، ناهيكم عن الهجرة غير الشرعية واكتظاظ سبها، عاصمة فزان، بتراكم موجات الهجرة والنزوح! هذه الأربع دقائق كافية لإعادة النظام وانقطاع الكهرباء والمياه الآسنة التي تلطخ سبها وينبعث منها الناموس والذباب!
لكني اختصرت على نفسي الأمر وقلت: إن زيارة المبعوث الخاص لنا وتخصيصه بضع دقائق فقط كانت كافية، ثم قلت: في كل العالم، لم تنجح بعثات الأمم المتحدة في حسم أية مشكلة واحدة! ونحن لسنا استثناءً، ودعنا المبعوث الأممي ومرافقيه، وبقينا لحالنا ننتظر الحل! فكان الأمر عبارة عن ذرٍّ للغبار في العيون، وذلك يكفي لإسكات فزان بكل أطيافها! بالله عليكم أي اختزال في أربع دقائق للمتكلّم لحسم مشاكل فزان بأسرها، فبلا شك هذا شكل ونموذج البعثة الأممية الموفّق!
زيارة ثانية: هبطت طائرة المبعوث الأممي وتحلّقنا حولها، ثم أنجزنا طابورًا للسلام عليه وشدّ أزرَه، وأخذناه معنا إلى مقر اللقاء الثاني جامعة سبها أيضًا، وبدأنا نزفّ التحايا والترحيب قبل أن ندلف نحو الموضوع، أعطيت الكلمات وبدأ متحدثًا في المقام الأوّل أستاذ جامعي وللأمانة الرجل سياسي يتلاعب بكلمات رائعة مسبوكة بالخبرة والمنطق من الطراز الأول، فكل كلمة يقولها ذات تأثير هام وتحمل معاني وأُطُرًا أخرى تشخّص الوضع وتضع النقاط على الحروف وتبين الصورة في فزان على حقيقتها، ومجمل القول إن فزان تدفع أغلب أثمان هذه الفاتورة الباهظة، وهي المتضرّر الأكبر لهذا الانقسام السياسي العميق، وأوضح الرجل فهمًا سياسيًا لكل ما يجري بما فيه من مصالح للغرب بكل وضوح. إن (الكلمة المكتوبة) كانت مؤثرة وقوية وتلامس ضمير كل المستمعين وعقولهم.
ثم انتقلنا إلى كلمةٍ أخرى لشيخ محترم يغطيه جرد أبيض وكبّوس أسود وتلوح حوله مظاهر الأبهة والتفاخر في مكان ليس له بحقُّ السّماء! وأخذ يحكي ويتكلم بين العربية والعامية وثالثة هي خليط بينهما! ويعدّل من جلسته ويعيد ترتيب جرده الناصع البياض، ويحكي كلامًا فضفاضًا يهم شيوخ القبائل ولا يعطي الوطن شيئًا على الإطلاق، سوى كلمات عاطفية تهز الوجدان وتحرك المشاعر.
المبعوث الخاص للبعثة الأممية، انفَرجت أساريره وتفتحت آفاقه وبَدَأَ يشيد بهذه الكلمة التي لا تغني ولا تشبع من جوع، وترك خطاب الأستاذ الجامعي والسياسي المحنَّك، الذي اتسم بالترابط والتخطيط الرائع ووضع فزان كهدف أمام الأمم المتحدة وما يجب عليها فعله إن كانت جادة! رئيس البعثة الذي شغل وزيرًا للثقافة في بلده، كان متعلّقًا بالكلمتين لكنه أثنى على خطاب الشيخ الجليل! وقلتُ في سري ومكنوني وضميري: هذه البعثة الأممية وهذا منهاجها: أنها جاءت من أجل العبث بليبيا وتدميرها وإفسادها دونما بصمات، ولا حاجة لكم أبدًا بأن أعدد، فشعبنا واعٍ تمامًا بكل ما يحدث، لكني أهنئه بأن استطاع بصبره وفهمه العميق هزيمة هذه البعثة والإفلات من (تقسيم ليبيا).
إن بلدًا ودولة لا يقودها المتعلمون والمثقفون والأساتذة والقانونيون ثم الأطباء والمهندسون ورجال الفكر والشباب وكذا المرأة الواعية، وجيل من الطلاب والعمال وأهل الوطن، هذا مصيره، إن بلدًا يقوده الشيوخ بجرودهم والحكماء والأعيان – مع كبير احترامي لهم وتقديسي للعادات والقيم والأعراف الاجتماعية – فذلك ليس مكانها هنا! القبلية ليس لها مكان سوى أنها (بلدوزر) للتدمير وإشاعة الفوضى، اتركوها فإنها نتنة!! وقد جربناها!
وعلى الليبيين أن يشمروا عن سواعدهم ويتحملوا مسؤولياتهم ويتجاوزوا البعثة الأممية وكذا شيوخنا الأفاضل، فمنبر الحل وحسم المعضلات يحتاج تقديم القراءة الصحيحة والدقيقة وصولًا لنتائج صادقة وواقعية من خلال حزمة من المنطق والعلم.
