زهران ممداني وصناعة الأوهام

بقلم/ محمد بوخروبة
ليست السياسة الأمريكية ساحة مفتوحة لتجارب الديمقراطية كما يروج لها، بل هي مسرح تتقاطع على خشبته خيوط المصالح والنفوذ والمال خلف كل وجه جديد يعتلي المنصة. توجد قوى أعمق تدير المشهد وتحدد الإيقاع، من هنا يمكن قراءة صعود زهران ممداني الشاب الذي ظهر فجأة في واجهة العمل السياسي بولاية نيويورك حتى صار حديث الإعلام والشارع، كأن معجزة ديمقراطية قد تحققت.
لكن الواقع يقول غير ذلك، فالانتخابات الأمريكية مهما حملت من مظاهر الحرية والاختيار، تبقى في جوهرها صناعة معقدة تتحكم فيها الشركات الكبرى وجماعات الضغط ومراكز القوة الاقتصادية والإعلامية. إنها ليست سباقًا للأفكار، بل عملية انتقاء محسوبة بعناية من قبل ما يعرف بـ “الدولة العميقة”، تلك المنظومة الخفية التي تصنع الرؤساء وتوجه السياسات وتضبط إيقاع اللعبة حتى لا يختل ميزان الهيمنة.
فكيف لشاب محدود التجربة صغير الوزن السياسي والاقتصادي أن يصل إلى موقع حساس في ولاية تعد قلب الاقتصاد الأمريكي؟ الإجابة لا تكمن في كفاءته أو حماسته، بل في حاجة النظام إلى وجه جديد يعيد تلميع صورته أمام الداخل المتعب من التفاوت الطبقي وأمام الخارج الذي بات يشكك في أخلاقيات الديمقراطية الأمريكية.
يقدم ممداني خطابًا يبدو في ظاهره تقدميًا إنسانيًا، يلامس هموم الطبقات الفقيرة والمهمشين، ويدعو إلى العدالة والمساواة، حتى ليخيل للمستمع أنه يحمل روح الاشتراكية في قلب الرأسمالية، غير أن هذا الخطاب في جوهره لا يشكل خطرًا على النظام الأمريكي، بل هو جزء من استراتيجية التجميل والتنفيس. تسمح مثل هذه الأصوات بالظهور كي توهم الناس بإمكانية الإصلاح من الداخل، بينما تبقى بنية الرأسمالية المتوحشة كما هي لا تتزحزح قيد أنملة.
إن أمريكا تعرف كيف تغير الأقنعة دون أن تمس المضمون، فعلتها من قبل مع باراك أوباما الذي صوّر للعالم كرمز للتحول والانفتاح، ثم تبين أنه كان أداة لتنفيذ مشروع أعقد وأخطر في منطقتنا العربية. فخطابه في القاهرة عام 2009 لم يكن سوى تمهيد لما سُمّي لاحقًا بالربيع العربي، ذلك الزلزال الذي ضرب البنية السياسية والاجتماعية لدول عربية عديدة، فمزّق نسيجها وفتح أبوابها للفوضى والاقتتال تحت شعار الحرية والديمقراطية.
ذلك الربيع الأمريكي لم يكن بريئًا، فقد جاء ممهدًا بجيوش من التنظيمات المتطرفة كداعش والنصرة وغيرها، أدوات وظيفية استخدمت لتفكيك الدول وتغيير خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. كانت النتائج كارثية: دمار، موت، تهجير، وانهيار شامل لعمران عمره قرون، بينما بقيت القوى التي أشعلت النار تتفرج من بعيد، تتاجر بالرماد وتعيد توزيع الغنائم.
واليوم، حين يطل علينا وجه جديد من داخل المؤسسة الأمريكية بخطاب إنساني وتقدمي، علينا ألا ننخدع بالعبارات المنمقة. فالتاريخ علمنا أن واشنطن لا تقدم شيئًا مجانًا، إنها بارعة في استخدام الرموز لتلميع صورتها وترويض الرأي العام داخليًا وخارجيًا.وممداني مهما حسنت نواياه الشخصية يبقى في نهاية المطاف جزءًا من منظومة تصنع الأدوار وتضبط حدود الحركة بدقة متناهية.
إن السياسة الأمريكية لا تقوم على المبادئ، بل على المصالح، ولا تحكمها الأخلاق، بل القوة. لذلك فكل صعود لوجه جديد في الهرم السياسي الأمريكي يجب أن يُقرأ في سياق أوسع من مجرد انتخابات، إنه نتاج عمل طويل لمراكز الفكر والإعلام ورؤوس الأموال التي تدير اللعبة الكبرى في الخفاء، وتختار من بين الطامحين من يخدم صورتها القادمة.
ومن المؤسف أننا نحن العرب بعد كل ما مررنا به ما زلنا نصدق هذه العروض المسرحية، ما زلنا نرقص طربًا لكل قادم جديد، ونرجو الخلاص من الخارج، كأننا لم نتعلم من دروس الأمس القريب. نسينا كيف رحبنا بأوباما واعتبرناه نصيرًا للسلام والعدالة، ثم اكتشفنا أنه أشعل حروبًا جديدة بأدوات مختلفة، نسينا أن الوجوه تتبدل لكن اليد التي تحرك الخيوط تبقى هي ذاتها.
إن الأمة التي لا تتعلم من تجاربها محكوم عليها بأن تكرر أخطاءها، وما زلنا للأسف ننتظر القادم على حصان أبيض أو أصفر، نحلم بملامح المنقذ، ونغفل عن أن المنقذ الحقيقي هو وعينا وإرادتنا وقدرتنا على قراءة الواقع دون زيف ولا انبهار.
