مقالات الرأي

العقود الإلكترونية

بقلم/ غادة الصيد

إن الثقة لم تعد خيارًا في العلاقات التعاقدية، بل أصبحت ضرورة تفرضها التحولات التقنية والتجارية التي يشهدها العالم. ففي بيئة المعاملات الإلكترونية، حيث يغيب الحضور المادي للأطراف ويضعف عنصر التحقق الحسي المباشر، يظل مبدأ حسن النية الركيزة الجوهرية التي يقوم عليها البناء العقدي، بما يضمن استقرار الروابط القانونية ويحميها من الانهيار.

لقد تجاوز مفهوم حسن النية نطاقه الأخلاقي التقليدي ليغدو التزامًا قانونيًا يعكس جوهر العلاقة التعاقدية، فلا يقتصر على الإخلاص في تنفيذ الالتزامات، بل يمتد ليشمل كل ما من شأنه تعزيز الاطمئنان واليقين لدى الطرف الآخر.

فالمتعاقد في البيئة الرقمية يحتاج إلى ضمانات حقيقة تحاكي الضمانات المادية في العقود التقليدية، وهو ما يتحقق عبر التوقيعات الإلكترونية والشهادات الرقمية ووسائل التحقق من الهوية، إضافة إلى الاعتراف القانوني بالبيانات الإلكترونية باعتبارها وسيلة إثبات قائمة بذاتها.

ومن ثم فإن دور المشرع يتمثل في صياغة قواعد واقعية واضحة تؤطر العلاقة التعاقدية الرقمية وتحقق التوازن بين حرية الأطراف في التعاقد وحماية المراكز القانونية لكل طرف، بما يقطع الطريق أمام التحايل أو إساءة استعمال الوسائل التكنولوجية.

ولا يقل دور القضاء أهمية في هذا السياق، فالقاضي حين يفسر الالتزامات المتبادلة في العقود الإلكترونية، إنما يسعى إلى تحقيق العدالة العقدية عبر تعزيز عنصر الثقة وإعادة التوازن عند اختلاله.

ومن ثم، فإن حسن النية ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو روح العقد الإلكتروني والضمانة الأولى لبقاء التعاقد أداة فاعلة في خدمة الاقتصاد الرقمي وحماية المعاملات عبر الفضاء الافتراضي.

زر الذهاب إلى الأعلى