مقالات الرأي

مـضــحـكات حـزينة .. إلى متى تكتب يا عمران؟

بقلم/ أحمد البرشة

حين يسخر الناس من رجل سبعيني يرفع كفيه للسماء حامداً ربه ان ثبته على اليقين في زمنِ الانهيار، يوم ان تداعت اليقينيات وتشابكت المعايير، يصبح رفعُ الكفّين إلى السماء ضرباً من المقاومة الوجودية. وفي عالمٍ يتحول إلى مسرح مهترئ، تظل الكتابةُ فعلَ تمردٍ أخير – حفلةً تنكريةً نخلع فيها أقنعةَ الواقع لنرتدي وجوهنا الحقيقية.

في زمن الانهيار، حين تعجز أدوات التحليل التقليدية عن فك شفرة الوجود، تتحول الكتابة إلى ملاذ أخير للمعرفة. إنها ليست مهنة للمترفين، ولا هواية لأصحاب الوقت الفائض، بل هي قدر يختاره – أو يُختار له – من ضاقت به السبل، فوجد في الحروف متسعاً للوجود، نعم هي قدر يُختار. تشاكي بها إميلي ديكنسون: “أنا لا أحد! فمن أنت؟” فالكاتب الحقيقي هو ذلك الذي يكتب من هوامش الوجود، وهي كما قال كافكا: إنها “الفأس التي تكسر البحر المتجمد في داخلنا”.وفي حكايةٍ ليبية طريفة، كان رئيسُ نادي المدينة فرحاً جدا لأن ناديه سجل ثلاثة اهداف ضد فريق اخر وعندما تقابل مع الكاتبَ عمران الجيلاني سأله بسخرية: “إلى متى تكتب ياعمران؟” فأجابه: “أنت فرحان لأنك سجلت أهدافاً تختفي بعد دقائق، أما أنا فأكتب كلمات تبقى مئات السنين”. هكذا تتحول الكتابة إلى بصمةٍ تخلد حين تزول الانتصارات المؤقتة.

إنها كالوردَةِ التي يرسمها الجندي على خوذته أثناء القصف. حين سُئل: “أينفع الرسم ضد القصف؟” أجاب: “لا، لكنه يذكرني لماذا أرفض القصف”. هكذا تكون الكتابة: همساً يعلو فوق دوي الانهيار، وشهادةً على أننا مازلنا أحياء.

هي خلاصٌ كما وصفها سارتر: “اختيارٌ للكلمات كما نختار أنفسنا”. في النهاية، الكتابة ليست مهنةً بل هي قدرٌ – مقاومةٌ بالكلمة في وجه العبث، وزراعةُ أملٍ في صحراء اليأس.
وهي كما قال محمود درويش:
من أنا ؟
هذا سؤال الآخرين ولا جواب له
أنا لغتي
أنا ما قالت الكلمات: كن جسدي
فكنت لنبرها جسدا
انا لغتي.

زر الذهاب إلى الأعلى