مقالات الرأي

حاجة الليبيين إلى هوية وطنية جامعة 

بقلم/ محمد بوخروبة 

في زمن تتنازعه رياح الانقسام وتتعالى فيه الأصوات المتناحرة، تظل الهوية الوطنية الليبية صخرة صلبة في وجه التشرذم، وراية سامقة تلوح بالأمل بأن ليبيا رغم الجراح قادرة على النهوض من جديد متحدة بذاكرتها وموروثها وشعبها.

إن بناء وطن متماسك لا يبدأ من السياسة فحسب، بل من الوعي بالانتماء المشترك وإدراك أن ما يجمع الليبيين أعمق من كل خلاف وأبقى من كل عابر من تجاذبات الزمن، لقد تشكلت الهوية الليبية عبر قرون طويلة تداخلت فيها الحضارات والثقافات والقبائل، من تخوم الصحراء الكبرى إلى ضفاف البحر المتوسط، في ترابها آثار الإغريق والرومان والفينيقيين، وفي عمقها روح الإسلام والعروبة والأفريقية، وفي وجدانها تمازج بين عرب وأمازيغ وتبو وطوارق، إنها هوية الفسيفساء المتكاملة التي لا يلغي فيها لون لونًا، بل تكتمل الألوان لتصنع صورة الوطن.

ولئن كانت القبيلة في ليبيا إحدى أهم ركائز المجتمع، فإنها لم تكن في جوهرها عامل تفريق بل وعاء لصون القيم والعادات والصلات الاجتماعية، وحصنًا منيعًا أمام التفكك والانحلال، فالقبائل الليبية على اختلاف أصولها ومواطنها أسهمت في حماية الأرض وصيانة النسيج الاجتماعي، وكانت في أزمنة الأزمات جدارًا للوحدة ومنطلقًا للمصالحة وحاضنة للهوية الأصيلة التي تربط الليبي بالأرض والعرض والشرف، كما أن المدن التاريخية والأثرية من شحات وقورينا ولبده وصبراتة إلى غدامس القديمة، لم تكن مجرد حجارة صامتة، بل ذاكرة حية تختزل روح الوطن وتروي قصة الإنسان الليبي منذ فجر الحضارة، هذه المدن العريقة تشكل ملامح الشخصية الليبية وتذكر الأجيال بأنهم أبناء حضارة عريقة امتدت على ضفاف التاريخ، وأن الحفاظ عليها هو حفاظ على الذات وعلى جذور الهوية.

إن الحديث عن فشل الدولة الوطنية في المنطقة العربية لا يمكن أن يقاس بالمقاييس الجامدة، فليبيا منذ استقلالها سنة 1951 خاضت تجربة بناءٍ صعبة وسط واقع قبلي واسع وتحديات اقتصادية كبرى، وإذا أردنا الإنصاف فإن الحديث عن الهوية الليبية لا يكتمل دون التوقف عند حقبة المملكة الليبية التي كانت اللبنة الأولى في بناء الدولة الحديثة بعد قرون من الاحتلال والتشرذم، ثم جاءت حقبة سبتمبر لتأخذ التجربة الليبية إلى مسار آخر من التحديث والتوسع، وتعزيزًا للسيادة الوطنية، وترسيخًا لروح العزة والانتماء، وبعثًا لفكرة الهوية الليبية الجامعة تحت شعار الوحدة، رغم ما شاب تلك المرحلة من ممارسات وسياسات قابلة للنقد كسائر حقب التاريخ، واليوم بعد عقد من التحديات والانقسامات، برز الدور الوطني الجسور للقوات المسلحة وقياداتها، التي حملت على عاتقها مسؤولية صون الأرض ولم شمل الهوية وحماية وحدة التراب، فكانت درع الوطن وسنده، تعيد للمجتمع ثقته بنفسه، وتذكره بأن الوطن لا يبنى إلا برجاله المخلصين الذين يقدمون المصلحة العليا على كل انتماء ضيق، فالقوة العسكرية حين تتكئ على الشرعية الوطنية تكون رمزًا للتماسك والسيادة لا أداة للفرقة والهيمنة.

إن الهوية الليبية اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع، يعيد اللحمة بين مكونات المجتمع ويردم الفجوة بين الأقاليم الثلاثة، ويجعل من التنوع مصدرًا للقوة لا للخلاف، فالمواطنة الحقة لا تقاس بالانتماء الجغرافي بل بالإيمان بأن كل ليبي أيًا كان موطنه أو قبيلته أو لسانه هو شريك في هذا الوطن ومسؤول عن مصيره، ولا يمكن للهوية الوطنية أن تترسخ إلا عبر مؤسسات عادلة وتعليم مستنير وإعلام وطني واع يزرع في نفوس النشء حب الوطن لا تعصب الفئة واحترام القانون، فالمواطنة ليست شعارًا يرفع، بل سلوكًا يمارس في احترام الاختلاف والالتزام بالواجب والمشاركة في البناء والإيمان بأن الوطن بيت الجميع، كما أن العدالة الاجتماعية تمثل ركيزة أساسية لترسيخ الانتماء.. فحين يشعر المواطن بأنه متساو في الحقوق والفرص، وأن الثروة موزعة بعدل بين أقاليم الوطن تزدهر روح المواطنة، وينحسر الشعور بالغبن الذي طالما كان بذرة الفتن، إن بناء الدولة لا يكون بالقوة وحدها، بل بالعدل الذي هو أساس العمران، وتبقى الذاكرة الوطنية بما تحمله من ملاحم جهادية وتضحيات جسيمة، وقودًا يلهب الإحساس بالانتماء، فمن معارك المجاهد عمر المختار ضد الاستعمار الإيطالي إلى بطولات أبناء الوطن في معارك الدفاع عن الأرض والسيادة، تتوارث الأجيال دروس العزة والكرامة وتظل ليبيا رمزًا للوحدة التي لا تساوم.

إن الهوية الليبية ليست مشروعًا سياسيًا مؤقتًا، بل قدرا تاريخيا وجغرافيا وثقافيا يتجدد بتجدد الأجيال، وهي هوية تتسع لكل أبنائها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، هوية لا تقصي أحدًا ولا تنكر أحدًا لأنها تؤمن بأن الوطن للجميع وبالجميع يبنى، وحتى يتحقق هذا الحلم لا بد من مصالحة وطنية صادقة تعيد اللحمة للنسيج الاجتماعي وتعيد الثقة بين المواطن والدولة، المصالحة التي تنصف الماضي دون أن تعيد أوجاعه وتفتح صفحة جديدة من التفاهم والبناء المشترك، وفي نهاية المطاف تبقى ليبيا فكرة خالدة تتجاوز الأفراد والأنظمة وتبقى الهوية الليبية نسيجًا من قيم الرجولة والشهامة والكرامة والتسامح تتوارثها الأجيال كما تتوارث الأرض والمجد، فإذا اتحدت القبائل والمدن والجهات على كلمة الوطن وإذا التقت إرادة المدني والعسكري، وإذا حفظنا آثارنا كما نحفظ ذاكرتنا، حينها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا كتابة الفصل الجديد من قصة ليبيا، وطنا واحدا وهوية واحدة ومستقبلا واحدا.

زر الذهاب إلى الأعلى