قيمة العملة ليست بالأصفار

بقلم/ ناجي إبراهيم
من بين الأسباب التي تسهم في اتساع دائرة الفقر وزيادة أعداد المهمشين والمعوزين في المجتمعات التي جرى ويجري ربطها بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، ضمن المشروع الاستعماري الإمبريالي الذي يسعى إلى الهيمنة على ثروات الشعوب وفق سياسات وإجراءات ناعمة لا يستخدم فيها القوة العسكرية، رغم أن بدايات الهيمنة والسيطرة في بعض البلدان قد تمت بفعل الأعمال العسكرية التي كانت سببًا في سقوط أنظمة سياسية لا ترتبط بتلك الهيمنة، واتبعت سياسات اقتصادية ونقدية حصنتها من الوقوع في شباك الهيمنة الرأسمالية، ومن تلك الأسباب مساهمة التجار والمضاربين وخاصة المرتبطين فكريًا أو مصلحيا مع السوق الرأسمالي في رسم السياسات الاقتصادية والنقدية، هذه أولا، والثانية وهي الأخطر توصيات (شيطان) النقد الدولي، الذي يوسوس للحكومات باتباع سياسات اقتصادية ونقدية تقود إلى الوقوع في شباكه وليتم فيما بعد الإمساك بالاقتصادات المحلية سياسيًا وإداريا، وإذا ما بلغنا هذا الحد فيصبح فيما بعد الفكاك من هذا الارتباط ليس سهلًا لما يترتب عليه من النفاذ إلى العملية السياسية والتي ستصبح تنتج سلطة تابعة ومرتبطة عضويا بالمشروع الاستعماري وتتحول إلى حامية له.
إن الاقتراحات والتوصيات التي يطلقها التجار والمضاربون بتعويم الدينار ورفع الدعم عن بعض السلع هي جزء من مخطط رهيب يقودنا إلى شيئين اثنين وهما توسيع قاعدة الفقراء والتي ستتحول إلى جيوش من الخدم لطبقة رأسمالية يدعمها البنك المركزي بدأت تتشكل وتحميها حكومة جنيف، وتغدي هذه السياسة تحول الأمن من حماية المواطن والوطن إلى ميليشيات من المرتزقة تحمي التجار ومصالح الرأسمالية المرتبطة بالرأسماليين في الغرب.
ما يجري لا يهدد الاقتصاد الوطني فحسب، بل يعيد هيمنة الشركات الأجنبية على ثروات الليبيين والذي يتم بشكل فعلي من خلال العقود التي تمنح امتيازات لهذه الشركات للهيمنة على النفط الليبي إنتاجا وتسويقا، وذلك ما يهدد مستقبل الأجيال القادمة ويحرمها حقها في الاستفادة من ثرواتها والتي ستصبح جزءا من اقتصاد رأسمالي عالمي، وبدأت ملامح هذا المشروع تظهر جلية من خلال الفجوة التي خلقتها هذه السياسات بين دخل المواطن وقدرته على مواجهة الزيادات المطردة في الأسعار والتي خلقتها سياسات المركزي النقدية بتخفيض قيمة الدينار، ولم تستطع الأصفار التي تضاف على الأوراق النقدية سد هذه الفجوة، فالقيمة الحقيقية للعملة لا تحسب بالأصفار التي تضاف لها، ولكنها تحسب بقدرتها على مواجهة الأسعار في السوق، وليس مهما أن يصبح معاش العاملين آلاف الدينارات إذا كانت السلع الضرورية أسعارها أضعاف هذه الآلاف، ولا تغطي متطلبات العلاج في دولة تتخلى عن مسؤولياتها في دعمه.
أي أصفار تضاف للعملة ستواجهها أسعار أخرى مرتفعة تشمل كل الخدمات وتُدخل المركزي في سباق غير منتهٍ ولا أفق له ما لم يضع حدا لتدهور السعر الرسمي للدينار، وإيجاد سياسة تحد من الهدر للعملات الأجنبية الذي تمارسه مافيات الاعتمادات الذين تحولوا إلى عصابات لتهريب العملة للخارج.
فضيحة مصادرة الأموال التي تمت في تركيا خلال الأيام الماضية فضحت حجم الهدر الذي تتعرض له العملة الأجنبية والتي تعبر عن فشل الحكومات في اتباع سياسات تنظم التجارة وتحمي المال العام من السرقة والنهب تحت مظلة التحويلات لأغراض التجارة، عمليات النهب والسرقة وغض الطرف من الجهات الرقابية وربما ضلوع البعض فيها سيفاقم الأوضاع الاقتصادية والذي سيدفع ثمنها المواطن الذي بات عاجزًا عن تلبية حاجته لزجاجة أنسولين، وتوجد حلول أخرى غير الذهاب لخفض قيمة الدينار ورفع الدعم على الوقود الذي إذا حدث سيشعل الأسعار أضعافًا مضاعفة لرفعه تكلفة النقل المرتفعة أصلا، ومن هذه الحلول تنظيم شركات تجارة التوريد، تحديد السلع الواجب توريدها، اختيار البلدان التي يجب الاستيراد منها، وضع أولوية لتوريد معدات الصناعة والمواد الخام لها، إيقاف استيراد الخردة من المركبات، والأهم من ذلك كله إيقاف الهدر الحكومي في الصرف على أبواب لا ضرورة لها وتقليص عدد السفارات والعاملين بها في الخارج، إيقاف العبث والتحشيدات المسلحة والتي ينفق عليها من الخزانة العامة.
توجد حلول كثيرة وعديدة تحفظ للدينار قوته ولا تمس جيب المواطن وقوتُه وعلاجه وتعليمه، وإذا ما استمرت الحكومة في هذا الفشل وإذا ما استمر المركزي في تغطية فشلها بضغطه على الدينار الذي سينعكس على قدرة المواطن على مواجهة ارتفاع الأسعار سنشهد انهيارا على جميع الصعد ومنها الاقتصادي والاجتماعي الذي ينذر بثورة جياع لن تقدر حكومات بهذا الضعف والهوان على مواجهتها.
