مقالات الرأي

تاريخنـا ناصع رغم محاولات التزوير

بقلم/ د. محمد جبريل العرفي

كلمة تاريخنا تذكرني بالمرحوم الصادق النيهوم، الذي ألّف سلسلة للأطفال من عشرة أجزاء، الصادق لم يتنكر لبلاده التي هيّأت له الظروف ليُبدع، وليس كمن تنكّر لها إرضاءً للصهاينة طمعًا في نوبل، بعد عام 2011، تعرّض تاريخنا لحملة تشويه ممنهجة، يقودها عملاء مخابرات أجنبية، كتجيير دور الحركة السنوسية العظيمة لصالح إدريس، متناسين انشطار الحركة 1917 إلى جناحين: أحدهما مقاوم يقوده أحمد الشريف وشيخ الشهداء وآخرون، والآخر مُطبِّع مطلين يقوده إدريس، تولّى ملاحقة المجاهدين والتجسس عليهم ونزع سلاحهم، مقابل مزايا مالية ومعنوية، في دورٍ يشبه ما يقوم به حاليًّا محمود عباس بمنظمة التحرير الفلسطينية. فما أشبه أوسلو بالرجمة، وأجدابيا برام الله، وإدريس بعباس.

وللأسف، فإن مقولة “حتحات على ما فات” مكّنت المطلينين من مفاصل الدولة، ما أثار موجة غضب عبّر عنها المجاهد بالقاسم حفتر بقصيدة قال فيها:
(الغرسة اللي سياقيينها بدمانا…. وين أثمرت ماشي منها جانا
خدامة عدو لديّان بوبرطله… حتى وين باعد ماسكين مكانه
خليك مالشياخه بات هو صاحبها… الملك سامحه ما واخذا ابعفانه)
ومن الخبائث تمجيد الفاشي (بالبو) الذي شيّد للمستوطنين، وكذلك تمجيد المطلينين الذين منحتهم إيطاليا الأوسمة تقديرًا لجهودهم في خدمتها، كالشارف وإدريس، كما تم طمس إنجازات تحققت لصالح الليبيين، مثل طرد المستوطنين الإيطاليين في 7 أكتوبر 1970، وإثارة قضية المنفيين وتخليد ذكراهم سنويًّا في 26 أكتوبر، ما يدعو للحزن والشفقة أن إذاعة مملوكة للمجتمع تتذكر مولد (نعيمة عاكف) ولا تتذكر عيد الثأر!

إنه جهلٌ، وانحطاطٌ، وحقدٌ، فالتاريخ ملكٌ لكل الليبيين، ولا بد أن يُقدَّم للأجيال خاليًا من التشويه أو الغرضية، ما يقوم به هؤلاء الحاقدون العملاء عبثٌ لن يصمد، لأننا نتحدث عن حقبة موثقة بالصوت والصورة والوثيقة المطبوعة، وتحميها ذاكرة متقدة، فلنحترم رموزَنا وتاريخَنا، وخاصة من قبل الجهات الرسمية المسؤولة عن المناهج التعليمية، والإعلام المموّل من المجتمع، وكذلك الأجهزة المعنية بالسلم الأهلي ومكافحة التجسس.
واجب المثقفين الوطنيين التصدي لحملات التشويه وتزوير التاريخ، وتسليط الأضواء على صفحات المآسي التي مرَّ بها الليبيون، كالغزو والإبادة والنفي والمعتقلات والتجنيد والاستيطان، وكذلك الصفحات الناصعة من تاريخنا، مثل الجهاد والإجلاء والاعتذار.

توترت العلاقة الليبية الإيطالية بإجلاء المستوطنين 1970، وسماح إيطاليا للطائرات الأنجلو ساكسونية بعبور أجوائها لضرب طرابلس وبنغازي 1986، واستفزاز الوزير العنصري (كالديرولي) لمشاعر المسلمين بارتدائه قميصًا عليه رسوم مسيئة للرسول ﷺ، ما فجّر مظاهرة حاولت اقتحام القنصلية الإيطالية في 17 فبراير 2006، وأسفرت عن ضحايا وجرحى. حينها هددت ليبيا بـعواقب كارثية في العلاقات مع إيطاليا، فأُقيل الوزير في اليوم التالي 18 فبراير 2006، وبعد اعتذاره عاد إلى الوزارة 2008، دأبت ليبيا على المطالبة بالتعويض والاعتذار، فكان الإعلان الليبي الإيطالي 1998 والمحضر الشفوي 2002، اللذان مهّدا لاتفاقٍ شاملٍ على الاعتراف بالماضي الاستعماري، فجاءت اتفاقية الاعتذار والتعويض سابقةً تاريخيةً تحققت لأول مرة. وقد أشعلت موجة من المطالبات بالتعويض عن العبودية والإبادة في إفريقيا، وخاصة في الجزائر وجنوب إفريقيا وناميبيا، كان الاقتصاد هو الجوهر، فقد استغلت ليبيا حاجة إيطاليا إلى النفط الليبي الذي تستورد منه 25 % من احتياجاتها و33 % من الغاز، إضافة إلى طمع إيطاليا في مشاريع التنمية الطموحة التي بدأت ليبيا بتنفيذها، خصوصًا مع وجود بدائل منافسة من كوريا والصين وتركيا وغيرها.

تحتوي المعاهدة على ديباجة و(23) مادة موزعة على ثلاثة أبواب، ومادة للأحكام الختامية: فالباب الأول: (المبادئ العامة)، كالمساواة السيادية، وعدم اللجوء إلى التهديد أو استخدام القوة، والحل السلمي للمنازعات، والحوار والتفاهم بين الثقافات والحضارات، والباب الثاني: (قفل ملف الماضي)، بالتعويض من خلال دفع 5 مليارات دولار على مدى 20 سنة في مشاريع البنية التحتية الأساسية، إضافة إلى مبادرات خاصة كبناء وحدات سكنية، وتوفير منح دراسية، وتجهيز مستشفى تخصصي والعلاج في إيطاليا، وإرجاع المخطوطات والقطع الأثرية، أما الباب الثالث: (الشراكة الثنائية الجديدة)، بالتعاون في مجالات العلوم والتقنية والثقافة، والتعاون الاقتصادي والصناعي، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والهجرة، وإقامة شراكة في قطاع الدفاع والصناعات العسكرية. كما تعهّدت إيطاليا بدعم مطالب ليبيا في المحافل الدولية بخصوص ضحايا الألغام وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة، وجعل البحر المتوسط منطقة خالية من الأسلحة.
قال برلسكوني: “الاتفاقية اعتراف كامل ومعنوي بالضرر الذي ألحقته إيطاليا بليبيا إبان الفترة الاستعمارية”، وقد واجهت الاتفاقية اعتراضات إيطالية أهمها: الاعتراض على حظر استخدام الأراضي الإيطالية لأي عملٍ عدائي ضد ليبيا لكونه يقيّد مشاركة إيطاليا في عملياتٍ عسكرية للناتو أو الاتحاد الأوروبي، والاعتراض على نقل التكنولوجيا المدنية والعسكرية، وجعل إيطاليا مسؤولة أخلاقيًّا عما يحدث للمهاجرين في الأراضي الليبية، واعتبار الاتفاقية تفرض التزامات مالية ضخمة على إيطاليا دون ضمانات للعائد، ما يجعلها التزامًا أحادي الجانب، وسارت الأمور بشكل طبيعي، وفي عيد الوفاء عام 2009 تم تكريم من ساهم في إعداد الاتفاقية من الجانبين الليبي والإيطالي، استغلت إيطاليا ثغرة (الشرعية الدولية) وشاركت بالعدوان على ليبيا 2011.

ليبيا ما زالت تملك عناصر القوة في مواجهة الغرب، فهي مصدرٌ للطاقة، بما يعنيه ذلك من تحكّمٍ في ملفات الهجرة والإرهاب وتجارة البشر والمخدرات، لكن النهابين تهمهم بطونهم وليس أوطانهم.

زر الذهاب إلى الأعلى