ملفات وتقارير

السودان.. حرب بلا أفق ودولة على حافة الانهيار



تقرير ـ سيد العبيدي


يعيش السودان، منذ اندلاع الحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، واحدة من أخطر مراحل الصراع المسلحة منذ حقبة الاستقلال 1956، حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على الداخل السوداني، فحسب. بل أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة الوطنية الموحدة، في سياق التحولات التي أعقبت موجة ثورات “الربيع العربي” عام 2011، والتي انتهت في عدد من الدول بصراعات مسلّحة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتدخلات خارجية تعمل على تفكيك الكيانات الوطنية إلى دويلات متناحرة.
ومع تفاقم أزمة النزوح واتساع رقعة المواجهات، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام مأساة إنسانية تتعمّق يومًا بعد يوم، تهدد حياة الملايين في ظل انهيار كامل للخدمات الصحية والبنى التحتية الأساسية، وتقييد وصول المساعدات الإغاثية، وغياب أي ضمانات لحماية المدنيين.
إلى ذلك، تتمدد دوائر الدمار، وتتزايد أعداد القتلى والجرحى، وتتهاوى منظومات الصحة والخدمات، بعد مرور أكثر من 900 يوم من القتال، كما يواجه السودان واحدة من أكبر أزمات الجوع والنزوح في العصر الحديث، وسط عجز دولي وإقليمي عن فرض تسوية سياسية أو حتى وقف إطلاق نار دائم يوقف نزيف البلاد.
جذور الأزمة: من ثورة 2018 إلى انقلاب 2021
وتعود جذور الأزمة التي تشهدها السودان إلى ديسمبر 2018 بعد احتجاجات شعبية واسعة على خلفية تدهور الوضع الاقتصادي، تحولت بعد أربعة أشهر إلى ثورة أسقطت نظام الرئيس السوداني عمر حسن البشير بعد 30 عامًا في الحكم، فيما تشكل مجلس عسكري انتقالي ضم الجيش وقوات الدعم السريع، ورُسمت خارطة طريق لمرحلة انتقالية تشاركية بين العسكر وقوى الحرية والتغيير.
لكن الشراكة انهارت سريعًا. وفي 25 أكتوبر 2021، أطاح الجيش، مدعومًا من قوات الدعم السريع، بالحكومة المدنية، لتبدأ مرحلة انتقالية جديدة لم تكتمل. ومع تفاقم الخلافات بين الطرفين حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش ومدة ذلك الدمج، انفجر الصراع المسلّح في 15 أبريل 2023، ثم تحولت الأزمة إلى أكبر حرب أهلية منذ استقلال السودان عام 1956.
شرارة الحرب: معركة مطار مروي
في 13 أبريل 2023، حركت قوات الدعم السريع وحدات كبيرة نحو مطار مروي وقاعدة عسكرية شمال البلاد دون تنسيق مع الجيش، الذي اعتبر الخطوة «تمردًا مسلحًا». وبعد يومين فقط، دوت أصوات الاشتباكات في الخرطوم حول القصر الجمهوري والقيادة العامة للقوات المسلحة، والمطار الدولي، ثم امتدت النار إلى 9 ولايات خلال أسابيع.
أعقب ذلك الخطوة تحول السودان سريعًا إلى ساحة قتال مفتوحة، لا سيما مع تداخل أطراف إقليمية ودولية، وتراجع قدرة المؤسسات المركزية على السيطرة أو تقديم الخدمات.
خريطة الحرب بعد عامين ونصف
وبعد نحو 600 يوم من حصار مدينة الفاشر، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على مقر قيادة الجيش هناك، وهي آخر مدينة كبرى في دارفور كانت تحت سيطرة الجيش، ومثَّل سقوط الفاشر تطورًا مفصليًا، أعاد إشعال المخاوف من “حرب إبادة” في الإقليم ذاته الذي شهد جرائم واسعة منذ 2003.
وفي المقابل، تمكن الجيش من استعادة مناطق واسعة في العاصمة الخرطوم خلال عام 2024، أبرزها القصر الرئاسي ومطار الخرطوم الدولي، وبدأ بتأمين أحياء أم درمان والخرطوم بحري، ما أعاد الصراع إلى مربع “الحسم المفتوح” دون قدرة أي طرف على إنهاء الحرب.
30 مليونا يحتاجون للمساعدات
وفي 23 أكتوبر 2025، أعلنت أربع وكالات أممية أن السودان يعيش «إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم»، مع حاجة 30 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة، بينهم 9.6 مليون نازح و15 مليون طفل. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في السودان، يُذبح المدنيون ويُجوّعون وتُكمّم أفواههم، وتواجه النساء والفتيات عنفًا لا يوصف.
أعداد الضحايا: أرقام متناقضة ومخيفة
من جهتها وثقت الحكومة السودانية مقتل 12 ألف مدني وصلوا إلى المستشفيات، وهو ما لا يمثل إلا جزءًا من الحقيقة، فيما قدرت لجنة الإنقاذ الدولية أعداد الضحايا بـ 150 ألف قتيل، بينما تشير بيانات أممية إلى نحو 20 ألف حالة وفاة مؤكدة.
وكشف تقرير صادر عن كلية لندن للصحة العامة عن وفاة 61 ألف شخص في الخرطوم وحدها خلال عام واحد من الحرب، بينهم 26 ألفًا جراء أعمال عنف مباشرة. هذه الأرقام لا تشمل المناطق المحاصرة أو تلك التي لا يعمل فيها نظام صحي قادر على التوثيق.
أكبر موجة نزوح في العالم
ومنذ اندلاع الحرب، نزح أكثر من 11.3 مليون سوداني، بينهم 8.6 مليون داخل البلاد، و3.9 مليون عبر الحدود نحو جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا ومصر. ويُعد السودان اليوم أكبر أزمة نزوح على كوكب الأرض متجاوزًا سوريا وأوكرانيا.
دارفور: انتهاكات وعمليات إبادة ميدانية
وأعلنت الأمم المتحدة والصليب الأحمر أن مدينة الفاشر شهدت “فظائع مروّعة” خلال الأيام التي أعقبت سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، من بينها: إعدامات ميدانية جماعية واغتصاب جماعي داخل مراكز الإيواء وقصف للمستشفيات كان آخرها المستشفى السعودي للولادة قتل 460 شخصًا وخطف المساعدين الإنسانيين ونهب القوافل الطبية.
وأكد مكتب حقوق الإنسان أنه تلقى مقاطع فيديو توثق عمليات قتل واعتداءات “لا يمكن نشرها لشدّة فظاعتها”، بينما تحدث شهود عن اغتصاب 25 امرأة على الأقل داخل مخيم نازحين قرب جامعة الفاشر.
الخرطوم عاصمة من رماد
وبعد عامين من الحرب، تحولت الخرطوم إلى مدينة شبه مدمرة، حيث محطات الكهرباء والمياه خرجت عن الخدمة، كذلك الجسور والمحاور الرئيسية دُمّرت بالكامل والأسواق والمتاحف تعرضت للنهب، بينما نحو 70 % من المستشفيات معطلة، كذلك المطار الدولي تحوّل لثكنة عسكرية، إضافة إلى انهيار قطاع النفط والبنية التحتية الاتصالية.
كلفة إعادة الإعمار
إلى ذلك تقدّر الحكومة السودانية أن البلاد تحتاج إلى 700 مليار دولار لإعادة الإعمار، نصفها للخرطوم وحدها. بينما تقول وكالة بلومبرغ إن الكلفة الواقعية لن تقل عن 150 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج الإجمالي للسودان خلال 3 سنوات.
أبعاد إقليمية ودولية للصراع
إلى ذلك لا يمكن قراءة الحرب في السودان بمعزل عن التنافس الإقليمي والدولي على ممرات البحر الأحمر والذهب والموارد الزراعية. فالدعم غير المعلن لكلا الطرفين يعكس صراع نفوذ بين قوى عربية وأجنبية، حيث تتقاطع مصالح الإمارات وروسيا ومصر وتشاد وإثيوبيا مع مصالح واشنطن وباريس ولندن. ويؤكد محللون أن الخرطوم باتت ساحة صراع جيواستراتيجي مفتوح، يربط بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل الأفريقي، ما يجعل أي تسوية داخلية رهنًا لتفاهمات خارجية.
الذهب والمرتزقة وتجارة السلاح
ومع انهيار الاقتصاد الرسمي، تحوّل السودان إلى اقتصاد حرب تديره شبكات تهريب الذهب والسلاح والمرتزقة، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على مناجم ذهب في دارفور وجبال النوبة، تُهرَّب عبر تشاد إلى الأسواق العالمية، بينما يسيطر الجيش على موارد الموانئ والضرائب في الولايات الشرقية. هذا الاقتصاد الموازي يعزز استمرار الحرب ويجعل وقفها مرتبطًا بتفكيك شبكات مصالح مالية عابرة للحدود.
جيل ضائع بلا مدارس
وتشير منظمة اليونيسف أن نحو 19 ألف مدرسة أغلقت أبوابها بسبب الحرب، وأن أكثر من 7 ملايين طفل خارج منظومة التعليم، ما يجعل السودان أمام “جيل ضائع” قد يتحول إلى وقود لصراعات مستقبلية أو للهجرة غير الشرعية. كما تحوّلت جامعات الخرطوم والجزيرة وكسلا إلى ثكنات ودُمرت مكتبات عريقة تعود إلى بدايات القرن العشرين.
حرب صامتة بلا شهود
ومع طرد الصحفيين واعتقال المراسلين وتعطيل الإنترنت بفعل الاستهداف المتعمد لشبكات الاتصالات، تحوّلت الحرب في السودان إلى “حرب صامتة”، إذ تُرتكب الفظائع بعيدًا عن الكاميرات. وتتهم منظمات دولية أطراف النزاع باستخدام “تعتيم إعلامي ممنهج” لإخفاء جرائم حرب، ما جعل توثيق الانتهاكات يتم عبر مقاطع مسربة من هواتف المدنيين.
مستقبل العملية السياسية
وحول مستقبل العملية السياسية يرى مراقبون، أن أصوات القوى المدنية التي قادت ثورة ديسمبر 2018، تراجعت مع خروج الأحزاب إلى المنفى وانهيار نشاط لجان المقاومة داخل المدن التي مزقتها الحرب. وتقول بعثة الأمم المتحدة (سابقًا يونيتامس) إن المشهد السياسي المدني يعيش “موتًا سريريًا”، بينما يحاول قادة عسكريون وقبليون التفاوض على ترتيبات ما بعد الحرب دون ضمانات لإشراك القوى المدنية. وهو ما يعيد السودان إلى معادلة “العسكر + القبيلة + الخارج” بدلًا من “مدنية كاملة” التي رفعتها الثورة.
سيناريوهات الحرب في السودان
ويصف المراقبون، الحرب الحالية في السودان بأنها أمام عدة سيناريوهات، كونها ليست مجرد صراع على السلطة، بل صراعا قد يؤدي إلى تفكك الدولة، حيث تتآكل السلطة المركزية مقابل قوى مسلّحة وكيانات جهوية وقبلية، وتشمل السيناريوهات المطروحة اليوم، انقسام البلاد في إطار سياسة الأمر الواقع “شرق/غرب/وسط”، أو الدخول في تسوية برعاية دولية شبيهة باتفاق الطائف “تقاسم سلطة إجباري”، أو حدوث تدخل عسكري خارجي مباشر، وهذا احتمال ضعيف حاليًا ومرفوض دوليًا، فيما تشير أسوأ السيناريوهات إلى استمرار الحرب وانهيار كامل للدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى