اللامبالاة.. عدو صامت في زمن الانفلات

بقلم/ المهدي الفهري
حين يفقد الإنسان الدهشة تبدأ اللامبالاة ويصبح الصمت فكرًا والحياة بلا شغف، وينتقل الفرد من الفعل الخلاق إلى التواكلً والاعتماد على الآخرين والتعود على اختيار أسلوب وفلسفة جديدة في التفكير والعمل يقوم على النشاط والإنجاز وتنظيم الوقت والتوازن الداخلي وهو الطريق الأنسب لمواجهة اللامبالاة باعتبارها عدوا صامتا يتسلل إلى حياتنا دون أن نشعر ويؤثر على سلوكنا ومشاعرنا دون أن ندري.
وتُعد المجتمعات الأنانية والمفككة اجتماعيًا والتي تسود فيها ثقافة المادة ويغيب عنها الوجدان والحس الذاتي ساحة خصبة ومفتوحة للتلاعب والتبعية، في حين يمتلك المجتمع المتماسك مناعة ذاتية من الاستغلال والتشّظي، فاللامبالاة ليست مجرد حالة نفسية وسلوكية وجدانية يفقد معها المرء الدوافع والاستجابة العاطفية في غياب كامل للإرادة والقدرة على الفعل وعدم الانتباه أو الاهتمام لمًا يجري حوله من أحداث، بل هي نمط تفكيري يتغذى من الخوف والجحود والإهمال ويقود إلى العجز وعدم الاكتراث والافتقار إلى العمل والمبادرة.
إن الأزمة في جوهرها فكرية قبل أن تكون واقعية، إذ ما زال كثير من الناس أسرى أنماط التفكير المغلقة التي تعوق التغيير لكن الإنسان بطبيعته ليس كائنًا متلقيًا بل فاعلًا اجتماعيًا قادرا على إنتاج المعنى وتوجيه التغيير من موقع الشراكة لا من واقع العزلة والإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل الهشاشة ومن خلال الجرأة على النقد والبناء وليس من الإنكار والهدم، وتلك هي العقلانية التي تتجاوز النزعة النخبوية نحو وعي واقعي يستوعب تعقيد العالم والإنسان معا، ويدعونا إلى قراءة العالم بعقولنا وفهمه والارتفاع سلوكيًا فوق أدائه وليس الهروب منه، فالعقل أداة للفهم والتحرر من التردد والجمود، والحرب على اللامبالاة تبدأ بالتخلص من الخوف واستعادة الحماس والعمل الخلاق الذي يمنح الإنسان الثقة أمام معركة الفراغ الداخلي ويعيد له قدرته على الحيوية والاندفاع.
المثقف اليوم مدعو إلى قراءة الواقع بعين النقد وهو وحده القادر على صناعة وعي حضاري نقدي يصل الجسر المفقود بين المعرفة وإرادة الفعل وإعادة بناء المفاهيم من خلال سياقاتها الفكرية والمعرفية والمساهمة في مشروع وعي جديد يعيد للإنسان توازنه ويمنحه القدرة على التفكير بحرية وبكرامة وتحويل مبادراته إلى مبالاة ومقاومة في آن واحد وتبني منهج الإصلاح الهادئ والانفتاح العميق الذي يجعل من الفكر منقذا أخيرا للإنسان من نفسه ومن الصمت والتجاهل والفتور، ويسهم في نهضة المجتمع ككل في زمن التشتت والالتباس.
