اقتصاد

الاقتصادات الأفريقية: التحديات والإمكانيات والمسار المستقبلي


إعداد: عبدالفتاح الشريف


يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل شامل للوضع الاقتصادي في إفريقيا، نتناول فيه التحديات، ومصادر القوة، والإرث التاريخي للاستعمار والاستراتيجيات المقترحة للتنمية المستقبلية.
الوضع الاقتصادي الراهن والتحديات الرئيسية
يمثل الاقتصاد الأفريقي نسيجًا من الإمكانيات الهائلة المقترنة بعقبات كبيرة. فبينما تُعد القارة واحدة من أسرع المناطق نموًا في العالم، نلاحظ أن هذا النمو لم يترجم دائمًا إلى ازدهار شامل أو خفض لمستويات الفقر. ففي الوقت الذي تعتبر فيه أفريقيا مركزا عالميا ورئيسيا لتوريد الطاقة والمعادن الحرجة فإن اقتصاديات أفريقيا لا تزال صغيرة ولا يزال شعبها مُستغلًا؛ ولا تزال الحواجز النظامية تحول دون المشاركة العادلة في الاقتصاد الدولي، حيث تسهم القارة في نمو العالم، لكنها تكسب القليل من وراء ذلك. كما تعمل كل من الاستثمارات المنخفضة والبنية التحتية السيئة على إعاقة تقدم القارة وتطورها والحيلولة دون الاستفادة القصوى من الفرص الاقتصادية المتاحة لها.
وتواجه معظم بلدان القارة العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية وبعض العوامل الداخلية والخارجية ومن أهمها:
1) التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تتضح من خلال مظاهر الفقر المرتفع الذي يؤثر على 60 % من السكان والنمو المنخفض لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (1.1 % سنويًا)، ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وانعدام الأمن الغذائي مما يخلق ضغوطًا اجتماعية ويرهق البنية التحتية والخدمات العامة، ويعوق تنمية رأس المال البشري.
2) العجز الهيكلي والبنى التحتية الذي يتمثل في انخفاض الإنتاجية، الاعتماد على تصدير المواد الخام، وضعف البنية التحتية. مما ينعكس سلبيا على التنمية ويمنع التنويع الاقتصادي، ويحد من القيمة المضافة، ويقلل القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.
3) ضعف الحوكمة وعدم الاستقرار السياسي مما أسهم في تفشي الفساد، والاضطرابات السياسية، وضعف المؤسسات. مما يؤدي إلى تعثر الاستثمار، وسوء إدارة الموارد العامة، ويقوض جهود التنمية المستدامة.
4) الضغوط الخارجية والبيئية التي عادة ما يترتب عليها تقلبات في الاقتصاد العالمي، تغير المناخ (تهديد وجودي لـ 900 مليون شخص بحلول 2050)، والشراكات الدولية غير المواتية وغير العادلة. وهذا يجعل الاقتصادات الأفريقية عرضة للصدمات الخارجية التي تهدد سبل العيش، وتعمل على توجيه الموارد الى إدارة الأزمات بدلا من توظيفها في برامج التنمية.
مصادر القوة والإمكانيات غير المستغلة
وبالرغم من كل هذه التحديات، تمتلك القارة الأفريقية أصولًا هائلة تشكل حجر الأساس لنموها المستقبلي وتتمثل هذه الأصول فيما يلي:
1) القوة الديموغرافية: حيث تتميز القارة بعدد السكان الضخم الذي يتزايد بمعدلات هي الأسرع في العالم، وغالبيتهم من الشباب مما يوفر قوة عاملة هائلة وسوقًا استهلاكية كبيرة، كما يتوقع أن تمثل القارة نحو 40 % من سكان العالم بحلول عام 2100.
2) الثروة المعدنية والموارد: تمتلك أفريقيا نحو 30 % من احتياطيات العالم من المعادن الحرجة. وهي مورد حيوي عالمي للمعادن الأساسية للتحول الرقمي والطاقة النظيفة حيث تنتج القارة نحو 85 % من إنتاج العالم من المنجنيز (جنوب أفريقيا، الغابون)، كما تنتج جنوب أفريقيا وحدها 80 % من إنتاج العالم من الكروم وتسيطر القارة على 80 % من إنتاج العالم من البلاتين (جنوب أفريقيا وزيمبابوي)، وتنتج جمهورية الكونغو الديموقراطية 47 % من الكوبالت في العالم، بالإضافة إلى 15 % من العناصر الأرضية النادرة، كما تنتج القارة 21 % من الجرافيت في العالم (مدغشقر، الموزامبيق، تنزانيا) و5 % من إنتاج الليثيوم في العالم (الكونغو، زيمبابوي، ناميبيا، غانا)، وكذلك 6 % من الإنتاج العالمي لمعدن النحاس (زامبيا والكونغو الديمقراطية).
3) الإمكانيات الزراعية والمائية: تمتلك القارة 65 % من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم ونحو 10 % من مواردها المائية العذبة المتجددة الداخلية، مما يوفر إمكانات هائلة لتحقيق الأمن الغذائي ودعم الصادرات الزراعية.
4) فرص التحول الرقمي والأخضر: تشهد أفريقيا تحولًا رقميًا سريعًا وتمتلك إمكانات هائلة في مجال الطاقة المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتي يمكن أن تساعد في سد العجز في الطاقة وتشغيل الصناعات المستقبلية.
الإرث المستدام للعهد الاستعماري
لا يمكن فهم الوضع الاقتصادي الحالي في أفريقيا بشكل كامل دون النظر في إرث الاستعمار الذي أنشأ أنماطًا استغلالية لا تزال قائمة بأشكال مختلفة حتى اليوم.
1) الاستغلال الاقتصادي وتحريف الهيكل الاقتصادي: صُمم الاقتصاد الاستعماري لاستخراج المواد الخام الأفريقية لتغذية الصناعات الغربية، دون بناء قدرات معالجة محلية. وهذا خلق خللًا هيكليًا مستمرًا، حيث ظلت الدول الأفريقية مصدرة للسلع الأولية ومستوردة للسلع المصنعة، مستحوذة على الحد الأدنى من القيمة من مواردها. على سبيل المثال، تمتلك غينيا أكبر احتياطيات العالم من البوكسيت، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية والموارد المالية التي تعمل على تحويل خام البوكسيت إلى الومينا ثم إلى ألومنيوم، مما يجبرها على تصدير المادة الخام بقيمة أقل.
2) التفكك السياسي والثقافي: طبقت القوى الاستعمارية سياسات “الاستيعاب” التي تهدف إلى القضاء على الهوية الثقافية الأفريقية واستبدالها بالهوية الأوروبية عن طريق المناهج التعليمية ونشر الثقافة الغربية وأنماط الاستهلاك الأوروبية عن طريق وسائل الإعلام الغربية وهذا خلق شرخًا ثقافيًا وأوجد ما يسمى بطبقات النخبة المنفصلة عن مجتمعاتها. كما حافظت القوى الاستعمارية السابقة وخاصة فرنسا بعد الاستقلال على نفوذ كبير في الشؤون السياسية والاقتصادية والعسكرية لمستعمراتها السابقة، واعتمدت دعم الحكام لحماية مصالحها الاقتصادية.
3) هيكل “التعمير ما بعد الاستعمار”: الحجة هي أن الطبيعة الأساسية للعلاقة بين أفريقيا والغرب لم تتغير بعد الاستقلال. هذا “التعمير ما بعد الاستعمار” لا يزال يحقق نفس أهداف السيطرة واستخراج الموارد، مما يعوق التنمية الإيجابية والمستدامة. أما المساعدات التنموية التي كانت تهدف ظاهريًا إلى المساعدة من خلال الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية فكان هدفها الرئيسي خدمة المصالح الغربية وتقييد برامج التنمية الاقتصادية والبشرية.
المسار الاستراتيجي للمستقبل: من الإمكانية إلى الازدهار
للتغلب على تحدياتها والاستفادة من نقاط قوتها، تحتاج أفريقيا إلى تحول جذري في نموذج تنميتها وذلك باعتبار أن هذه الأولويات الاستراتيجية أولويات حاسمة:
1) التجاوز عن تصدير المواد الخام فقط: يجب أن تركز الاقتصادات الأفريقية على توسيع سلاسل القيمة المحلية والانتقال لأعلى سلسلة القيمة، وتحويل المواد الخام إلى منتجات شبه مصنعة أو مصنعة قبل التصدير. وهذا يخلق فرص عمل، ويعزز القدرة الصناعية، ويحتفظ بمزيد من الثروة داخل القارة. ويعتبر تطوير التصنيع المحلي للبطاريات لسوق المركبات الكهربائية مثالًا رئيسيًّا على هذه الاستراتيجية.
2) تعزيز التكامل الإقليمي والشراكات: يجب تفعيل منطقة التجارة الحرة الأفريقية بالكامل لخلق سوق قارية موحدة. وهذا سيعزز التجارة البينية الأفريقية، يجذب الاستثمار ويعزز قوة التفاوض على الساحة العالمية. كما يجب على الدول الأفريقية بناء شراكات دولية متنوعة واستراتيجية تقوم على المنفعة المتبادلة وتشمل نقل التكنولوجيا بدلًا من النموذج الاستغلالي القديم.
3) الاستثمار في البشر والكوكب: يتطلب توظيف العامل الديموغرافي عن طريق الاستثمار الضخم في التعليم والرعاية الصحية وتدريب المهارات لإعداد الشباب لوظائف المستقبل. كما يجب أن تسعى القارة إلى التحول الأخضر، والاستفادة من إمكاناتها في مجال الطاقة المتجددة وبناء اقتصادات مرنة تجاه المناخ باعتبار ذلك ليس رفاهية، ولكن “ضرورة وجودية”.
4) تعزيز الحوكمة والشفافية: مكافحة الفساد، وتعزيز الحوكمة المسؤولة والشفافة، وتقوية المؤسسات العامة هي أسس غير قابلة للمساومة للتنمية المستدامة. وهذا يشمل الإدارة المسؤولة والشفافة لإيرادات الموارد الطبيعية لضمان استفادة عموم السكان منها.
وفي ختام هذا التقرير لا يفوتنا أن نشير إلى أن القارة كنز من الموارد الأساسية للمستقبل، حيث تجمع بين امتلاكها مخزونا مهما من المعادن النادرة الضرورية للتقنيات الحديثة وإمكانياتها الهائلة في مجال الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية والهيدروكهربائية وطاقة الرياح) فيما يلي تحليل موجز لهذين القطاعين الحيويين في القارة.
المعادن النادرة في أفريقيا: ثروة غير مستغلة بالكامل
المعادن النادرة أو “الأرضية النادرة” هي مجموعة من 17 عنصرًا كيميائيًا تُعد حيوية للعديد من الصناعات عالية التقنية، من الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية إلى توربينات الرياح والتطبيقات العسكرية. ورغم أن اسمها قد يوحي بقلتها، فإن الندرة الحقيقية تكمن في صعوبة وتكلفة استخراجها وفصلها عن الخامات الأخرى.
تشهد القارة الأفريقية طفرة متوقعة في إنتاج هذه المعادن، تقودها عدة دول منها جنوب أفريقيا وتنزانيا وأنغولا ومالاوي، حيث من المتوقع أن تبدأ العديد من المشاريع الإنتاج التجاري بين عامي 2025 و2028. ومن أبرز هذه المشاريع:
1) مشروع “زاندكوبسدريفت”، “ستينكامبسكرال”، “فالابوروا في جنوب أفريقيا بطاقة قدرها 12,400 طن سنويًا بحلول 2034.
2) مشروع “لونغونجو في أنغولا بطاقة قدرها 2000 طن سنويًا من الكربونات المختلطة.
3) مشروع “كانغانكوندي”، “سونغوي هيل” في مالاوي بطاقة قدرها 8000 طن سنويًا بحلول 2034.
4) مشروع “نغوالا” في تنزانيا بطاقة قدرها 16,200 طن من المركزات عالية الجودة سنويًا.
5) إنتاج الكوبالت والتنتالوم تنتج 80 % من الكوبالت العالمي في الكونغو الديمقراطية.
التحديات التي تواجه القطاع
تواجه أفريقيا تحديات كبيرة في تحويل هذه الثروة المعدنية إلى قيمة مضافة حقيقية، أبرزها:
1) الاعتماد على التعدين الحرفي: لا تزال عمليات الاستخراج في بعض المناطق تعتمد على وسائل بدائية تتطلب عمالة كثيفة وتفتقر للكفاءة.
2) ضعف المعالجة المحلية: على الرغم من أن الكونغو الديمقراطية توفر 70 % من إمدادات التنتالوم العالمية، فإنه لا توجد بها مرافق لمعالجته، مما يحد من القيمة المتحققة.
3) التحديات اللوجستية والتمويلية: يحتاج تطوير المناجم إلى رأس مال ضخم ووقت طويل، كما أن إنشاء وحدات المعالجة محليًا يضيف طبقات من التعقيد، مثل ضرورة استيراد المواد الكيميائية والتخلص منها بطرق آمنة.
طفرة الطاقة المتجددة في أفريقيا: إمكانيات هائلة
تمتلك القارة الأفريقية مقومات استثنائية لتكون قوة عالمية في مجال الطاقة النظيفة، إلا أن الاستثمارات لا تزال متواضعة مقارنة بهذه الإمكانيات. حيث تمتلك القارة 60 % من أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم كما تتجاوز موارد طاقة الرياح البريه في القارة اكثر من 71,000 غيغاوات. كما تستطيع القارة توليد 400 غيغاوات من الكهرباء باستخدام الأنهار والشلالات، وكل ما يتم توليده اليوم لا يتجاوز 11 % من هذا الرقم، وبالرغم من كل ذلك يعيش نحو 600 مليون شخص في أفريقيا بدون كهرباء وبالرغم من الإمكانيات الهائلة، لم تتلق القارة سوى 2 % فقط من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة في عام 2024.
وبسبب هذه الموارد والمقدرات أصبحت أفريقيا ساحة لتنافس دولي محموم بين القوى العالمية الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين، للحصول على مواردها المعدنية ودخول أسواق طاقتها الناشئة. حيث سيطرت الصين على جزء كبير من سلسلة القيمة، إذ تمتلك شركاتها حصصًا في 15 من أصل 19 منجمًا لإنتاج الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، وتسيطر على 85 % إلى 90 % من عمليات معالجة المعادن النادرة عالميًا.. كما تسعى واشنطن إلى كسر هذه الهيمنة من خلال مبادرات مثل “شراكة الأمن المعدني” مع الدول الأفريقية، لكن حضورها لا يزال ضعيفًا مقارنة بالصين، وغالبًا ما توصف استراتيجيتها بالبراغماتية وقصيرة الأمد بدلًا من كونها رؤية متكاملة.
وحتى تتحول أفريقيا من مورد للمواد الخام إلى شريك فاعل في صناعة الطاقة النظيفة، يمكن اتباع عدد من الاستراتيجيات:
1) تعزيز المعالجة المحلية: يجب على الحكومات الأفريقية تشجيع وتسهيل بناء مصانع لمعالجة وتكرير المعادن محليًا لتحقيق قيمة مضافة أعلى.
2) الاستثمار في البنية التحتية للطاقة: تطوير البنية التحتية للطاقة المتجددة ليس فقط لتشغيل منازل المواطنين، بل أيضًا لتشغيل مصانع المعالجة والتصنيع.
3) بناء الشراكات المتوازنة: يجب على الدول الأفريقية التفاوض لبناء شراكات استراتيجية متوازنة تضمن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، بعيدًا عن نموذج “البنية التحتية مقابل الموارد” فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى