الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 16

بقلم/ مهدي امبيرش
قد يتساءل بعض المتابعين لهذه المقالات عن مبعث التوقف عند أفلاطون ونحن في معرض تناول اللسانيات والاختلاف بين الألسن والخصائص التي يتمتع بها اللسان العربي والتي قلنا إنها نتاج منهج التفكير في لسان مبين غير ذي عوج، في المداخلات السابقة تحت هذا العنوان وغيره توقفنا عند بداية أزمة المعرفة منذ آدم عليه السلام التي لا تزال قائمة حتى اليوم، بل إن هذه الأزمة التي صدرت عن مشكلة معرفية تحولت إلى إشكالات، بل ربما أوجدت هذه الإشكالات مشاكل كثيرة يمكن لنا أن نتتبعها من خلال لغات الشعوب، ومن ثَم الفرق والمذاهب الكلامية، مع تأكيدنا أن هذه الأزمة القديمة لا تزال قائمة حتى اليوم، وأن تناول أفلاطون الذي كتب أفكاره متسترا بأستاذه سقراط في المحاورات التي عُرفت بالمحاورات الأفلاطونية، والتي يتحدث فيها أفلاطون واضعا على وجهه قناع سقراط وإن كانت محاوراته لا تخرج في الأساس عن نزعته المثالية الأرستوقراطية، ونقصد بالمثالية هنا هذا التصور الذي قدمه أفلاطون على أساس أن الكمالات هي مثُل مفارقة في السماء، وأن النفوس كانت مطلعة على هذه المُثل.
ونلاحظ هنا أن أفلاطون لا يتحدث عن الأجساد، بل عن النفوس، ومن ثَم يمكن أن نفهم اعتقاده أنه لا يمكن الوصول إلى هذه الحقائق إلا إذا تجرد الإنسان من الجسد، وبهذا يدخلنا أفلاطون في حالة أشبه ما تكون بالجذب الصوفي، هذا إذا فهمنا الصوفية في أساسها الفينيقي أنها الصفاء، وفي اعتقاد أفلاطون أن الجسد أو المادة كلاهما السجن الذي يعتقل النفس، وهذا واضح في أمثولة الكهف المعروفة.
إن الجدل الصاعد والجدل الهابط ليس سوى هذا المعراج الصوري الذي يمكن الفيلسوف أو محب الحكمة من الوصول إلى المُثل أو عالم الكمالات أو الحقائق المجردة. فأفلاطون ينطلق من قاعدة المسلمات ليواصل الصعود الذي في كل مرة يتم التجرد من الكثافة إلى أن تصفو النفس وتعود سيرتها الأولى بأجنحتها تطير في السماء مصاحبةً موكب الآلهة. هنا قد يستفهم البعض ما علاقة هذه بمقالاتنا عن الألسنية العامة؟ ولنا أن نذكر المتابعين أننا أشرنا في المداخلة الفائتة إلى طرف من محاورة كراتيلوس التي قلنا فيها إن أفلاطون على لسان أستاذه سقراط يفرق بين نوعين من الاسم الأول المقدس أو الإلهي والثاني هو الوصفي والبشري، وقد ذكرنا أن الحوار تم مع اثنين من السوفسطائيين هما كراتيلوس الذي سميت المحاورة باسمه وهيرموجينيس، والتي تكشف عن ثنائية الاسم والفعل وعن الاسم المقدس الذي تسمي به الآلهة المسميات وتكون مقدسةً، وبين الأسماء التي يطلقها البشر على المسميات الوضعية.
ولنا أن نشير هنا كما سبق أن أكدنا أن الثنائية هي نتاج منهج تفكير تبدو ملامحها في قصة تعليم آدم الأسماء، حيث يعلمنا القرآن الكريم العلاقة بين الاسم والمسمى على أنها علاقة تضايف لا ثنائية، وأن آدم قبل أن يخطئ ويقترب من الشجرة المحرمة كان في مقدوره أن يتخلص من ثنائية الاسم والفعل أو الظاهر والباطن أو كل الثنائيات التي لا تزال تشكل أزمات في منهج التفكير الإنساني، قد يصل إلى الاقتتال أو في أفضل محاولة إلى البحث عن الوسيط الذي يسد ذات البين أو الفراغ الذي قلنا إنه جاء من تصور خاطئ أن الكون ثنائية السماء والأرض والآلهة والبشر واتباع الآلهة السادة وهم قلة (الأرستوقراطيين) والجماهير الغفيرة الدهماء أو السواد أو العامة، وسنقرأ هذا الوسيط منذ هرمس إلى تقسيم السلطات عند الفرنسي مونتسكيو مؤسسة على محاولة أرسطو تلميذ أفلاطون بالتنظير للوسيط أو ما عرف بالمنطق الصوري من خلال (الارغانون)، فهو بحكم أنه مفكر منطقي قانوني كان مضطرا إلى أن ينزل الصور الأفلاطونية إلى الأرض، ليس إنكارا لعالم المُثل ولكن لأنه عالم مطلق لا يمكن إدخاله مربع القضايا المنطقية.
فاتنا أن نشير إلى أن أفلاطون وقد هاجمه خصومه المتكلمون (السوفسطائيون) عن ما جدوى هذا العالم الذي نراه، إذا كان ليس حقيقيًا، بل هو صور لعالم المثُل، فكان رده وهو بداهةً يعتمد على الذاكرة والمعرفة القبلية كما أشرنا يقول: إن هذه الموجودات لا قيمة لها سوى أنها تذكر النفوس بعالم المثل قبل أن تسقط إلى الأرض.
إن هذا التناول ضمن دراسة اللسانيات قد يجعلنا نتوسع أكثر لنجيب عن مبعث أزمة تحول أفلاطون إلى صوفي عدمي وهي نفس الأزمة التي عاشها الغزالي من قاضٍ وفقيه منطقي إلى عدمي صوفي والتي نراها تتكرر عند الكثير من الفلاسفة والمفكرين، كما أننا سنجد أنفسنا في حاجة إلى تناول بعض محاورات أفلاطون مثل محاورة المائدة وفاديروس، والسوفسطائي ومينون وفيدون.
