مقالات الرأي

إضاءات قانونية حول جرائم الموظفين

بقلم/ أسماء الفسي

انتهينا في المقال السابق إلى الأعمال المادية أو الوظيفية المراد تحقيقها من الرشوة، وهي القيام بعمل من أعمال وظيفة المرتشي أو الامتناع عن القيام به. واستكمالًا لهذا العنوان، ومن بين الأعمال الوظيفية المراد تحقيقها من الرشوة، تأخير القيام بعمل من أعمال الوظيفة، حيث يُرجئ الموظف أداء عمله طالما كانت مصلحة صاحب الحاجة تقتضي هذا التأخير، مثل أن يتقاضى ساعي البريد هدية نظير تأخير تسليم رسالة إلى صاحبها.

وتتحقق جريمة الرشوة بمجرد طلب الموظف مقابلًا لقيامه بعمل أو امتناعه عنه، بغض النظر عن موقف صاحب المصلحة، فيستوي أن يستجيب أو يرفض. وقد يكون الطلب صريحًا أو ضمنيًا يُستدل عليه من تصرفات الموظف التي لا تدع مجالًا للشك في دلالتها على إرادته في تعليق العمل على دفع المقابل.

أما القبول فهو عبارة عن قبول المنفعة أو المزية بعد عرضها من صاحب المصلحة، وطالما توافر القبول فلا عبرة لكيفيته، سواء أكان شفاهة أم كتابة، صريحًا أم ضمنيًا، نفذ الراشي وعده أم لم ينفذه. ولا يشترط المشرّع لقيام الجريمة أن يقوم الموظف بالعمل الذي ارتشى من أجله، إذ تُعد جريمة الرشوة قائمة وتامة حتى لو كان الموظف لا ينوي أصلًا تنفيذ العمل أو الامتناع عنه، ما دامت الإرادة الظاهرة تشير إلى ذلك، لأن الموظف الذي يعرض وظيفته مقابل منفعة يجعل منها سلعة ويخلّ بثقة الناس في نزاهة الوظيفة العامة.

موضوع الرشوة: يجب أن يرد الطلب أو القبول على مزية غير مستحقة، مادية كانت أم معنوية، وفقًا لما حددته اتفاقية مكافحة الفساد. وقد تكون المزية لصالح الموظف أو لغيره، سواء قُدّمت مباشرة أو عن طريق وسيط، وهو ما أشارت إليه عبارة “بشكل مباشر أو غير مباشر الواردة في المادة (38/أ-ب) من الاتفاقية، وهو حكم يتطابق مع نصوص قانون الجرائم الاقتصادية الذي وسّع دائرة التجريم لتشمل كل فائدة مادية أو معنوية.

الركن المادي لجريمة الرشوة: يتمثل في السلوك الإجرامي، الذي يظهر في صورتين: أخذ الشيء أو قبول الوعد به. وتُعدّ حالة الأخذ أخطر صور الرشوة، لأن الموظف يكون قد تسلّم فعلًا ثمن الاتجار في وظيفته. ولما كانت جريمة الرشوة من أخطر صور الفساد الإداري، فقد جاءت النصوص التشريعية شاملة لكل أشكال الاتجار بالوظيفة أو محاولة ذلك. فلا يشترط المشرّع تسلم الجعل بالفعل، ولا حتى الاتفاق عليه، إذ إن مجرد الطلب يعد جريمة تامة ولو لم يصادف قبولًا من صاحب الحاجة أو الوسيط، لأن الموظف الذي يجعل من عمله سلعة لا يقل جرمًا عمّن أتم الصفقة.

زر الذهاب إلى الأعلى