مقالات الرأي

ما يُسمى بـ “يوم التحرير”: لحظة إعلان السقوط لا بداية النهوض

بقلم/ محمود امجبر

في 23 أكتوبر 2011، اعتلى مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي الليبي، آنذاك، منصة ساحة الكيش في بنغازي ليعلن ما وصفه بـ”تحرير ليبيا” من حكم العقيد معمر القذافي. كان الحدث محط أنظار الداخل والخارج، لحظة يُفترض أن تُرسم فيها ملامح الدولة الجديدة، وتُبنى فيها أسس المشروع الوطني. غير أن الخطاب الذي ألقاه عبد الجليل لم يرتقِ إلى مستوى اللحظة، بل بدا أقرب إلى إعلان بداية مرحلة من الفوضى والتفكك، لا ميلاد وطن.

الخطاب خلا من أي إشارات إلى بناء مؤسسات الدولة، أو دعوة إلى المصالحة الوطنية، أو حتى تصور واضح لما بعد الأحداث. وبدلًا من أن يضع أسس دولة القانون، افتتح عبد الجليل كلمته بإلغاء القانون الذي يقيّد تعدد الزوجات، معتبرًا ذلك انتصارًا للشريعة الإسلامية، رغم أن الشريعة لم تكن يومًا بحاجة إلى من يُعيد تذكير الناس بها أو يُشرعنها من جديد. النبرة التي استخدمها كانت أقرب إلى التبشير الشعبي منها إلى خطاب رجل دولة، وكأن أولويات المرحلة تتلخص في الزواج الثاني، لا في إعادة بناء وطن أنهكته الحرب.

المشهد العام لم يكن أقل ارتباكًا. فقد غلبت على المناسبة أجواء غوغائية، أصوات مرتفعة، هتافات غير منضبطة، وغياب كامل لهيبة الحدث. بدا وكأن من اعتلوا المنصة لم يدركوا حجم اللحظة التي لم يكونوا هم من صنعها، بل ورثوها عن تضحيات غيرهم. وما زاد من غرابة المشهد أن الحشود ابتهجت وهتفت “الله أكبر” فور إعلان إلغاء القانون، وكأنها تلقّت بشرى تحرير اجتماعي لا سياسي.

هذا التوظيف السطحي للشريعة في لحظة مفصلية، كان يُفترض أن تُعلن فيها بداية مشروع وطني جامع، كشف عن غياب الرؤية وانعدام الخبرة لدى من تصدروا المشهد. فهؤلاء لم يكونوا أصحاب مشروع حقيقي، بل أدوات لتنفيذ أجندات داخلية وخارجية. لم يكن المشروع من صنعهم، بل كانوا واجهة لتحقيق أهداف تتجاوزهم: تفكيك الدولة، السيطرة على منابع النفط والمعادن، وإدخال البلاد في دوامة من الانقسامات والصراعات.

ما يُسمى بـ “يوم التحرير” لم يكن لحظة انتصار، بل لحظة انكشاف. انكشاف لغياب القيادة، لانعدام المشروع، ولانهيار الدولة التي كانت تحتاج إلى من يُعيد بناءها لا من يُعلن تفكيكها. لقد انتظر الليبيون خطابًا يُوحدهم، يُطمئنهم، ويُرسي قواعد دولة القانون، لكنهم تلقوا خطابًا يُكرّس الانفصال عن الواقع، ويُعلن بداية مرحلة من التيه السياسي والاجتماعي.

وبعد مرور أكثر من عقد على ذلك اليوم، لا تزال ليبيا تدفع ثمن تلك اللحظة، التي لم تكن بداية للتحرير، بل إعلانًا لانهيار الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى